تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
المتدرّجة المنوطة بأسبابها للمتربيّن ولذا كان للقرآن / النصّ ، أثره الواضح والمباشر في تغيير مفاهيم المتلقّين ، لأنّه كان يتنزّل وفق وقائع حياتهم وأسئلتهم ، وهذا يدعم النظرة الحديثة للنصّ والعالم . ومن هنا يدعو أحد المشتغلين بعلوم القرآن من المحدثين ، المربّين في مجال الحياة التربويّة التعليميّة ، والعاملين في التوجيه والإرشاد " أن يستفيدوا من سياق أسباب النزول في التأثير على الطلّاب والدارسين " « 1 » . وإذا كان اهتمام الفقهاء قد انصبّ أساسا على النصوص الخاصّة بالأحكام دون ما عداها من النصوص ، فإنّ طرائقهم في تحليل النصوص لاستقطار دلالتها ، تعدّ طرائق هامة فيما يرتبط بمنهج التحليل اللّغوي للنصوص بشكل عام ، ويعلّمنا هذا المنهج أنّ السعي لاكتشاف دلالة النصّ لا يجب أن يفصل بين النصّ وبين الوقائع التي يعبّر عنها ، ولكنّه لا يصحّ أن يقف عند حدود هذه الوقائع ، دون أن يدرك خصوصيّة الأداء اللّغوي في النصّ ، وقدرتها على تجاوز الوقائع الجزئيّة . إنّ استيعاب النصوص للوقائع الجديدة لا بدّ أن يستند إلى دوال إمّا في بنية النصّ وإمّا في السياق الاجتماعي لخطابه ، أي في أسباب النزول . وقد أدرك عمر بن الخطاب حكمة التشريع الذي يعطي للمؤلّفة قلوبهم نصيبا من الزكاة ، لا من بنية النصّ ذاته ، بل من السياق العام للنصّ ، فأدرك أنّ حكمة هذا التأليف تقوية الإسلام الذي كان ضعيفا ، ومع قوّة الإسلام وسيطرته على الجزيرة العربيّة ، وامتداده إلى ما وراءها لم يعد ثمّة حكمة في إعطاء جزء من الزكاة لمن لا يستحقّها ، وبالفهم نفسه من جانب عمر لحكمة فرض حدّ السرقة ، لم يقم هذا الحد على العبدين اللّذين سرقا من سيّدهما الذي كان يجيعهما ، وهدّد ابن الخطاب السيّد نفسه بقطع يده لو عاد العبدان للسرقة مرة أخرى . وكذلك نرى هذا الفهم في طرائق المفسّرين في التعامل مع النص القرآني . إنّ التمسّك بقاعدة " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سبب النزول " هكذا على إطلاقها لا يتّفق مع مقاصد الشريعة التي لا تبرز إلّا من خلال دراسة علاقة النصّ
هامش
( 1 ) منّاع القطان ، مباحث في علوم القرآن ، ص 96 .
الخطاب القرآني — صفحة 86 | خلود العموش