السيوطي في ( الإتقان ) هذه المسألة ، ودافع بشدّة عن الرأي القائل بأنّ " العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص سبب النزول " واستشهد على ذلك بأمثلة عديدة منها الآية الكريمة :
" وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى "
« 1 » . فإنّها نزلت في أبي بكر الصدّيق بالإجماع ، ومع ذلك فإنّ صيغة العموم منها تفيد أنّ هذا الحكم ليس مقصورا عليه . ولذا فإنّ عموم اللفظ وسياق الآيات فيصل في الحكم الذي تضمّنته الآيات " « 2 » . وللسيوطي عبارة في هذا الموضوع لها اتّصال وثيق بما نحن بصدده يقول : " إنّ صورة السبب قطعيّة الدخول في العام ، وقد تتنزّل الآيات على الأسباب الخاصّة ، وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامّة رعاية لنظم القرآن وحسن السياق ، فيكون ذلك الخاصّ قريبا من صورة السبب في كونه قطعيّ الدخول في العام " « 3 » . وضرب لذلك مثلا بقوله تعالى :
" أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ . . "
« 4 » . فإنّها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود " لمّا قدموا مكّة ، وشاهدوا قتلى بدر ، حرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ، ومحاربة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فسألوهم : من أهدى سبيلا : محمّد وأصحابه ، أم نحن ؟ فقالوا : أنتم . مع علمهم بما في كتابهم من نعت النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - المنطبق عليه ، وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموه ، وكان ذلك أمانة لازمة لهم ، ولم يؤدّوها ، حيث قالوا للكفّار أنتم أهدى سبيلا حسدا للنبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - بإفادة أنّه الموصوف في كتابهم ، وذلك مناسب لقوله تعالى :
" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها "
« 5 » . فهذا عامّ في كلّ أمانة ، وذلك
هامش
( 1 ) سورة الليل ، آية ( 17 ) .
( 2 ) السيوطي ، الإتقان ، 1 / 65 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 66 .
( 4 ) سورة النساء آية ( 51 ) .
( 5 ) سورة النساء آية ( 58 ) .