متعددة تشمل السياقين : اللّغوي والمقامي . وتشير كتب علوم القرآن إلى أنّ كلّ آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص استوجب إنزالها ، وأنّ الآيات التي نزلت دون علّة خارجية قليلة جدّا . وقد أدرك علماء القرآن أنّ السبب أو المناسبة المعيّنة هي التي تحدّد الإطار الواقعي الذي يمكن فهم الآية أو الآيات من خلاله ، بل وأدرك علماء القرآن أن قدرة المفسّر على فهم النصّ لا بدّ أن تسبقها معرفة بالوقائع التي أنتجت هذه النصوص . وهذا واضح من خلال الشروط التي يضعونها للمفسّر .
ولم يقف علماء القرآن عند مستوى هذا الربط بين النصّ والواقع ، وإنّما أدركوا أنّ للنصّ من حيث هو نصّ لغوي فعالياته الخاصّة التي يتجاوز بها حدود الوقائع الجزئيّة التي كان استجابة لها ، وهو ما ناقشوه تفصيلا في قضية العام والخاص ، وبالإضافة إلى ذلك فقد أدركوا أنّ النصّ وإن كان من حيث النزول - أي من حيث ترتيب نزول أجزائه - مرتبطا بالوقائع والأسباب ، فإنّه من حيث التلاوة [ أي من حيث ترتيبه الآن في المصحف ] يتجاوز هذا الارتباط بالوقائع ليقيم روابط أخرى ناقشها العلماء أيضا في علم ( المناسبة بين الآيات ) .
إنّ معرفة أسباب النزول لم تكن مجرّد ولع برصد الحقائق التاريخيّة التي أحاطت بتشكّل النص ، بل هدفت إلى فهم النص واستخراج دلالته فإنّ " العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب كما يقولون " « 1 » . كما إنّ دراسة الأسباب والوقائع تؤدّي إلى فهم ( حكمة التشريع ) خاصّة في آيات الأحكام ممّا يساعد الفقهاء على نقل الحكم من الواقعة الجزئيّة أو السبب الخاصّ ، وتعميمه على الوقائع المشابهة ، وذلك بالاستناد إلى ( دوالّ ) في بنية النصّ ذاته تساعد على نقل الدلالة من الخاص والجزئي إلى العامّ والكلّي .
ومن أبرز مفردات هذا العلم ممّا له صلة مباشرة بنظريّة النصّ والسّياق القاعدة المعروفة لدى علماء القرآن : " العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص سبب النزول " . وقد ناقش
هامش
( 1 ) السيوطي ( أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبو بكر السيوطي ) ت ( 911 ه ) ، الإتقان في علوم القرآن ، ط 3 ، دار الكتب العلمية / بيروت / لبنان / 1995 ، 1 / 65 .