تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
الفصل والوصل بلاغيّا ، فالجرجاني ينظر إلى حالتي فصل الجمل ووصلها انطلاقا من المفرد معمّما أساسه على الجمل وصلا وفصلا ، وحين ينفلت عطف الجملتين من قاعدة المفرد يجتهد لتبريره بمبدإ غير نحوي ، وأمّا الأساس الثاني الذي ينطلق منه ، فهو مجموعة من المبادئ المعنويّة مثل معنى الجمع ، والتضامّ النفسي بين الجملتين ، والتضامّ العقلي ، ومن الأسس كذلك قياس العطف على الشرط والجزاء ، وكذلك التأكيد وهو رابط غير شكلي ، ووفقا له يعدّ تأكيد جملة لأخرى وسيلة مهمّة من وسائل الخطاب رغم أنّ كيفيّة الاتّصال معنويّة غير معتمدة على رابط شكلي . ومن أمثلته في القرآن الكريم الآية من سورة لقمان :
" وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً "
« 1 » . فإنّ التشبيه الثاني لم يعطف على الأوّل " لأنّ المقصود من التشبيه هو التوكيد " « 2 » . فهذا هو الرابط في نظر الجرجاني ، ومن المبادئ الأخرى التي تحكم فصل الخطاب أو وصله هو صيغة ذلك الخطاب . فإذا كانت الصيغة متماثلة حكاية أو خبرا وصل ، وإن كانت غير متماثلة فصل . ومن دواعي فصل الكلام عن كلام آخر سابق وجود سؤال مقدّر غير متجلّ في سطح الخطاب ، والذي يدعو إلى تقدير هذا السؤال هو بناء الخطاب على شكل زوج مكوّن من سؤال مقدّر وجواب ظاهر ، ومن أمثلته في القرآن الكريم :
" قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ . . . "
« 3 » . يقول الجرجاني : " وجاء ذلك واللّه أعلم على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين " « 4 » . وغنيّ عن البيان أنّه لم يربط رابط شكليّ ما بين
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، آية 7 . ( 2 ) عبد القاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ، ص : 179 . ( 3 ) سورة الشعراء ، الآيات ( 26 - 29 ) . ( 4 ) دلائل الإعجاز ، ص 186 .