تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
تكون الجملتان متماثلتين خبرا ، ولكن يجب أن تقطع إحداهما عن الأخرى بسبب انكسار بنية الخطاب لو تم الوصل . وأسباب ذلك هي اختلاف موضوع الخطاب فيكون كإقحام لموضوع أجنبيّ في بنية الخطاب . مثال : ( يقول أحدهم : إنّ خاتمي هذا سيّئ الصّياغة ، كريه النفس ، ويقول آخر : خفّي ضيّق ، قولوا ما ذا أعمل ؟ ) فلا يصحّ هنا أن يقول الآخر ( وخفيّ ضيّق ) فالمقام مقام حديث عن الخاتم ، وهو بعيد عن الخفّ رغم اشتراكهما في صفة الضيق ، وكونهما ملبوسين ، وكون الخاتم محيطا بالإصبع ، والخفّ محيطا بالقدم " « 1 » . فالذي جعلنا نعتبر القطع هنا واجبا هو انقطاع الصّلة بين موضوعي الخطاب . إنّ الروابط بين الجمل لا تجعل منها نصّا متماسكا ، هذا ما أراد أن يقوله السكّاكي ولعلّ المثال الذي يضربه هو خير شاهد على ما نقول . المثال : " زيد منطلق ، ودرجات الحمل ثلاثون ، وكمّ الخليفة في غاية الطول ، وما أحوجني إلى الاستفراغ ، وأهل الروم نصارى ، وفي عين الذباب جحوظ ، وكان جالينوس ماهرا في الطبّ ، وختم القرآن في التراويح سنّة ، وإن القرد لشبيه بالآدمي . « 2 » إنّ هذا النصّ سليم من حيث النحو والمعجم والدلالة ، إذا نظرنا إلى الجمل بمعزل عن سياقها ، ولكن إذا نظر إليها كجزء من كلّ فإنّها لا تنسجم معه ، وإذن فمسألة الوصل والفصل ليست مسألة إتقان ذكر العاطف وتركه ، بل إنّها مهارة معرفة اتّساق الخطاب وانسجامه أيضا . ومن المبادئ الأخرى التي تحكم الوصل تأويل اختلاف الأفعال الكلاميّة ، وفي هذه الحالة قد تكون الجملتان مختلفتين خبرا وطلبا مثلا ، ولكنّ المقام يكون مشتملا على ما يزيل الاختلاف من تضمين الخبر معنى الطلب أو الطلب معنى الخبر . « 3 » مثال :
" إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ
هامش
( 1 ) السكاكي ، المفتاح ، ص 117 . ( 2 ) نفسه ، ص 118 . ( 3 ) نفسه ، ص 118 .