تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
( في ) في الآيات الثلاثة الأخيرة ( للإيذان بأنّهم أرسخ في استحقاق التصدّق عليهم لمن سبق ذكره باللام ، لأنّ ( في ) للوعاء فنبّه على أنّهم أحقّاء بأن توضع فيهم الصدقات كما يوضع الشيء في الوعاء ، وأن يجعلوا مظنّة لها " « 1 » . ويورد صاحب كتاب الصناعتين نصوصا كثيرة تكشف عن أهميّة الوصل والفصل في الكلام ، وأنّ عدم مراعاة هذا المبحث يؤثّر على النظم سلبا . ومن هذه النصوص قول للمأمون فيه : " إنّ البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلئ بلا نظام " « 2 » . ونصّ آخر يوصي فيه أكثم بن صيفي كتّابه قائلا " افصلوا بين كلّ منقض معنى ، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض " « 3 » . وفي موضع آخر يقول : وإذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه ، فافصل بينه ، وبين تبيعته ، وإذا مدحت رجلا ، وهجوت آخر فاجعل بين القولين فصلا " « 4 » . إنّ في النصوص السابقة حديثا غير مباشر عن دور الوصل والفصل في اتّساق الخطاب وانسجامه ، وفي النصّ الأخير إيضاح لدور الموضوع في اللجوء إلى الوصل أو الفصل ، فتباين الموضوعات أو تناقضها يكون سبيلا في الفصل ( كالمدح والهجاء مثلا في النصّ ) . وأمّا الجرجاني فقد جعل مسألة الوصل والفصل محكومة بمجموعة من المبادئ والأسس التي تجعل من هذه الظاهرة تجلّيا حقيقيّا لاتّساق الخطاب ، وأوّل هذه الأسس الأساس النحوي . فالجرجاني ينطلق من مجموعة من القواعد والقيود النحويّة التي بلورها النحاة من أجل ضبط العطف كامتناع ذكر الواو بين الوصف والموصوف ، أو بين التأكيد والمؤكّد ، أو امتناع عطف جملة على أخرى لا محلّ لها من الإعراب ، وتمييزهم بين عطف المفرد على المفرد وعطف الجملة على الجملة . . . . واستثماره لهذه المعطيات قصد مقاربة
هامش
( 1 ) ابن الأثير ، المثل السائر ، 2 / 241 . ( 2 ) أبو هلال العسكري ، الصناعتين ، ط 2 ، مطبعة محمود علي صبيح ، القاهرة ، 1960 ، ص : 497 . ( 3 ) نفسه ، ص 499 . ( 4 ) نفسه .