قائم ، ثمّ يقولون إنّ عبد اللّه قائم ، ثمّ يقولون : إنّ عبد اللّه لقائم ، فالألفاظ متكرّرة والمعنى واحد . فقال أبو العبّاس : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ ، فقولهم : عبد اللّه قائم إخبار عن قيامه ، وقولهم : إنّ عبد اللّه قائم ، جواب عن سؤال سائل ، وقولهم : إنّ عبد اللّه لقائم : جواب على إنكار منكر قيامه ، فقد تكرّرت الألفاظ لتكرّر المعاني . « 1 »
ونجد السكّاكي يحدّد المعاني تحديدا قائما على اعتبار المتلقّي العنصر الأساسي في العمليّة الإبداعيّة . فالمخاطب إمّا أن يكون خالي الذهن ، وإمّا أن يكون متردّدا في الحكم وإمّا منكرا له ، وقد يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فيجعل غير السائل وهو خالي الذهن كالسائل ، وقد يجعل غير المنكر للمنكر وقد يجعل المنكر كغير المنكر « 2 » . فذهن المتلقّي وطبيعته واردة في جلّ مجالات الدراسة البلاغيّة من خلال هذا الإطار الإدراكي المشترك بينه وبين المبدع ، وفي كلّ حالة من الحالات يراعي المبدع ذلك ، من خلال استخدام أدوات لغويّة معيّنة تناسب هذا المتلقّي ، كأدوات التوكيد مثلا مراعاة لمقتضى الحال ، ومناسبة للمخاطب . ويتأثّر الأسلوب تبعا لهذا ، كما ورد في عبارة السكّاكي الماثلة في مطلع هذا الموضوع ، " فمقام التشكّر يباين مقام الشكاية ، ومقام التهنئة يباين مقام التعزية . . . ومقام المدح يباين مقام الذمّ ، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب ، ومقام الجدّ يباين مقام الهزل ، وكذا مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على الاستخبار . . . ولكلّ ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر " « 3 » .
ويمتدّ هذا المقام - عند البلاغيّين - عبر جزيئات الصياغة بحيث يكون لكلّ كلمة مع صاحبتها مقام ، ولكلّ حدّ ينتهي إليه الكلام مقام ، ونحن نلحظ دقّة السكاكي عندما عرض لأداء المعنى الواحد بطرق متعدّدة ، فقد لاحظ أنّ تغيّر الصياغة لا بدّ أن يتبعه تغيّر في المعنى العام بالزيادة أو النقصان ، أو بالوضوح والخفاء بل إنّ اتفاق الجملتين
هامش
( 1 ) دلائل الإعجاز ، ص 375 .
( 2 ) السكّاكي ، مفتاح العلوم ، ص 7 .
( 3 ) نفسه ، ص 2 .