فقال له عبد الملك : بل منك ، وتطيّر من قوله فغيّرها الأخطل وقال : ( خفّ القطين فراحوا اليوم أو بكروا ) . « 1 » وعلّق على ذلك ابن الأثير بقوله : " وذلك لأنّ مقابلة الممدوح بهذا الخطاب يجلب كراهيته " « 2 » .
وابن رشيق في دراسته للنسيب في مطلع القصيدة الشعريّة يحاول تعليله بما يربطه بمتلقّي الشعر لا بقائله ، " وللشعراء مذاهب في افتتاح القصائد بالنسيب ، لما فيه من عطف القلوب ، واستدعاء القبول بحسب ما في الطباع من حبّ الغزل والميل إلى اللهو بالنساء " « 3 » .
وبالمثل أيضا درسوا خاتمة القصيدة الشعريّة من خلال توافقها مع المتلقّي ، فيرى العلوي أنّ من الواجب تضمّن هذا الختام معنى تامّا يؤذن السامع بأنّه الغاية والمقصد والنهاية . « 4 »
وعبد القاهر الجرجاني في تحليله للعلاقات النحويّة يميل إلى ربطها بالمتلقي ، بل يجعل مهمّة الناظم هادفة إلى توصيل المعنى إلى السامع باعتبار تواجده في عمليّة النظم تواجدا بيّنا يقول : " وليت شعري هل يتصوّر وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى ، ومعنى القصد إلى معنى الكلم أن تعلم السامع بها شيئا لا يعلمه ، ومعلوم أنّك أيّها المتكلّم لست تقصد أن يعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلّم بها ، فلا تقول خرج زيد لتعلمه معنى ( خرج في اللغة ) ومعنى ( زيد ) كيف ، ومحال أن تكلّمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف " . « 5 »
ويمكن تأكيد هذا المفهوم لدى عبد القاهر الجرجاني إذا ما رأيناه يربط الصياغة بالمتلقي ، ويجعل تغيّر هذه الصياغة مرهونا بالحالة الإدراكيّة له ، ويستشهد على ذلك بالحوار الذي دار بين أبي العبّاس والكندي الذي قال : إني لأجد في كلام العرب حشوا ، فقال له أبو العبّاس : في أيّ موضع وجدت ذلك ؟ فقال : أجد العرب يقولون : عبد اللّه
هامش
( 1 ) ابن الأثير ، المثل السائر ، 2 / 88 .
( 2 ) نفسه .
( 3 ) ابن رشيق القيرواني / العمدة / ج 1 / ص 150 .
( 4 ) العلوي / الطراز / ج 3 / ص 185 .
( 5 ) دلائل الإعجاز ، ص 73 .