أخرى " « 1 » . إنّ قوله " الأهمّ فالأهمّ " مبدأ يتّصل مباشرة بطبيعة العرف والعادة ، والسائد بين الناس ، ويختلف باختلاف المقامات وكلّ ذلك يرتبط بغرض الخطاب .
وقد نظر البلاغيّون العرب إلى الدلالة على أنّها نتاج للتداخل الطبيعي بين مستويات اللّغة . فالنّص هو جماع البنية الصوتيّة والبنية المعجميّة ، والبنية التركيبيّة ( الجملة التي تتحقّق بتأليف الكلمات في نظام نحوي يقرن عناصر الجملة في سياق داخلي يتأسس من معنى جديد للكلمات غير معناها الاصطلاحي ) ، والبنية الدلاليّة وهي ناتج ما يفرزه السياق من معاني عناصر الجملة مجتمعة في نظام محدّد . ويعبّر الجرجاني عن هذا المعنى حين يشير إلى أنّ الأوصاف اللاحقة للجمل من حيث هي جمل لا يصحّ ردّها إلى اللغة ، ولا وجه لنسبتها إلى واضعها " « 2 » . وقصده من ذلك أنّ الدلالات التي تتولّد عن نظام السّياق في الجملة هي تشكّل ناتج عن الجملة وليس معنى سابقا عليها .
وحديث الجرجاني المعروف عن النظم يفضي بنا إلى السياق " فاللّفظة قد تروق لك في موضع ، وتثقل عليك في موضع آخر " « 3 » ، والموضع ليس هو إلّا المقام الذي يجب أن يتناسب مع المقال ، ويذكر الجرجاني ثلاثة أنواع من الدلالة هي : الدلالة اللّغويّة ، والدلالة العقلية التي تنتج عن التفكير بعلاقات السياق في الجملة ، والدلالة التأويليّة ( المجازيّة ) . والمفردة الواحدة قد تتعدّد معانيها باختلاف الموضع ، ويقرّر الجرجاني مفهوم إشاريّة اللّغة ، ممّا يجعل الألفاظ إشارات « 9 » ، ومن شأن الإشارة أن تكوّن علاقة حرّة واعتباطيّة ، ويتحقّق معناها من موقعها في الجملة مع سائر الإشارات المتضامنة معها فيتشكّل السياق من هذا التضامّ ، ويعود إلى عناصره المكوّنة ليمنحها دلالتها ؛ فالسياق
هامش
( 1 ) منهاج البلغاء وسراج الأدباء ، ص 33 .
( 2 ) عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة ، ص : 376 .
( 3 ) نفسه ، ص 42 .
( 9 ) يقول الجرجاني : " لأنّ اللّغة تجري مجرى العلامات والسّمات ولا معنى للعلامة والسّمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلا عليه وخلافة " انظر أسرار البلاغة ص : 347 .