تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
ناتج عن تآلف الإشارات كما أنّ معاني هذه الإشارات هي من صنع السياق ، فهو يقيم ألفة بين المتباعدات ويصنع من ذلك سياقا مؤتلفا ، والكتابة أو النّص هو الذي يعطي لهذه المتباعدات معنى واحدا هو المعنى السياقي . ويربط الجرجاني ( النظم ) بالتصرّف بمعاني النحو ، وليس معنى التصرّف بمعاني النحو مطابقة الكلم للقواعد ، والتحرّز من اللحن ، أو زيغ الإعراب ، وإنّما يلجأ الناظم أو الناثر للتقديم والتأخير والتعريف والتنكير أو الاستئناف ، وما شابه ذلك بطريقة ناتجة عن إعمال الرويّة والفكر لتلائم هذه الأساليب ، وهذا المعنى ، وهنا قد يلتبس الأمر على الناس فيظنّون أنّ المزيّة في الألفاظ أو الاستعارات أو . . ، وإنّما تكون المزيّة في السياق الذي وضعت فيه ، فعناصر اللّغة كلّها عند الجرجاني بما فيها من مفردات أو قواعد ، أو نحو أو مجاز واستعارة لا قيمة لها في ذاتها ، وإنّما تستمدّ قيمتها من السياق .

النصّ والقارئ والسياق

" إنّ القصيدة تقع في مكان ما بين الكاتب والقارئ " . إليوت يبرز دور المتلقّي أو السامع واضحا في كتابات البلاغيّين العرب ، فالخطيب يجب أن يعرف الأحوال النفسيّة للسامعين حتى يجعل خطبته مؤثّرة فيهم . وكأنّهم يوجبون على الخطيب المعرفة الدقيقة بعلم النفس ، حتى يستطيع المطابقة بينهم وبين كلامه والموضوع الذي يتحدّث فيه . وقد فاق اهتمامهم بالمخاطب أيّ اهتمام آخر ؛ فالمتكلّم مثلا لم يظفر بمثل هذا الاهتمام باعتبار أنّ البلاغة مراعاة لمقتضى الحال . والحال عندهم هي حال المخاطب لا المتكلّم ، لأن ليس من المتصوّر عقلا ودينا أن يتناول هؤلاء المنظّرون القرآن باعتبار مصدره ولذا اتّجهت مباحثهم إلى ناحية المتلقّي ، ومحاولة ربط الأسلوب بظروفه الاجتماعيّة والدينيّة ، ومن هذا المنطلق رفض القدماء كثيرا من المطالع الشعريّة لأنّها لم تتوافق مع طبيعة المتلقّي ومن ذلك قول الأخطل لعبد الملك بن مروان : خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا