ويتميّز حازم القرطاجنيّ عن البلاغيّين بنظرة أشمل للنصّ ، فهو يقسّم القصيدة إلى فصول ( والفصل بيتان من الشعر إلى حدود أربعة أبيات تتضافر لأجل إيصال معنى معيّن ) ، ووضع لهذه الفصول أحكاما في البناء تضمن تماسك الفصل ، وتماسك الفصول يؤدّي إلى تماسك النص فهو يصف مواد الفصل ( الموضوع والألفاظ ) بأنّها يجب أن تكون " متناسبة المسموعات والمفهومات ، حسنة الاطّراد ، غير متخاذلة النسج ، غير متحيّز بعضها عن بعض التميّز الذي يجعل كلّ بيت كأنّه منحاز بنفسه " « 1 » . ففي هذه المواصفات حديث دقيق عن الترابط والنسج والاتّصال والتناسب وهذه كلّها من مظاهر الاتّساق الداخلي ، ومن جهة أخرى فهو يشترط أن يكون نمط نظم الفصل مناسبا للغرض تعتمد فيه الجزالة في الفخر ، والعذوبة في النسيب وهذا مرتبط بالمبدأ البلاغي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، فالغرض من الخطاب يؤثّر في الأسلوب أو يؤثر في اختيار الألفاظ ، ويجب أن تكون العلاقة بين الغرض ( الهدف ) و ( الموضوع ) والتعبير علاقة انسجام ، وهذه العلاقة يحكمها مبدأ تداولي ساهمت في صياغته تقاليد اجتماعيّة وأعراف سنّتها أجيال واحتفظت بها أخرى .
ولا ريب أنّ لثقافة الشاعر وفكره الدور الأكبر في الجمع بين أطراف هذه المعادلة جميعا : المقام ، الموضوع ، الأسلوب ، التعبير . . . . وهو ما أطلق عليه القرطاجنيّ ( بالقوّة الحافظة والقوّة المائزة ) وهما قوّتان يستطيع من خلالهما الكاتب أن يميّز ما يلائم الموضع والنظم والأسلوب والغرض ممّا لا يلائم ذلك ، وما يصحّ وما لا يصحّ « 2 » . وصناعة القصيدة عنده غالبا ما تخضع لاعتبارات تداوليّة ؛ ومنها رغبات القارئ ؛ فالشاعر يجب أن يقدّم في الفصول ما يكون " للنفس به عناية إذا سيق وفق الغرض المقصود بالكلام ، ويتلوه الأهمّ فالأهمّ والنفوس تتغيّر وما يكون لنفس به عناية يختلف عما به عناية لنفس
هامش
( 1 ) حازم القرطاجنيّ ، منهاج البلغاء وسراج الأدباء ، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة . تونس / دار الكتب الشرقيّة / 1966 ، ص 63 .
( 2 ) نفسه ، ص : 29 .