فيرفعهم من المهانة والضعة ، وفي هذا المشهد نراهم يطلبون العودة إلى العدس والثوم والبصل بعد أن أبدلهم اللّه به المن والسلوى والرخاء والدعة ، ولقد تلقّى موسى طلبهم بالاستنكار
" أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ "
« 1 » . ونلاحظ استخدامه كلمة ( الذي ) مرّتين في هذه الجملة بدلا من الأسماء الصريحة مزيدا في الاستهجان ، ولذلك سارع إلى القول :
" اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ "
« 2 » . و ( اهبطوا ) تناسب الهبوط من المكانة العلية إلى المكانة الدنيّة . ونلاحظ أنّه لم يطلب من اللّه ذلك وإنّما أمرهم به مباشرة ، إمّا بمعنى أنّ ما يطلبونه هيّن زهيد لا يستحقّ الدعاء فهو موفور في أيّ مصر من الأمصار ، وإمّا بمعنى عودوا إذن إلى مصر التي أخرجتم منها ، عودوا إلى حياتكم الدارجة المألوفة الخانعة الذليلة حيث تجدون العدس والبصل والثوم ، ودعوا الأمور الكبار ، ويكون هذا من موسى تأنيبا وتوبيخا ويرجّح هذا ما أعقبه السياق من قوله تعالى :
" وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ "
« 3 » . ومعلوم أنّ ضرب الذلّة والمسكنة على بني إسرائيل لم يكن من الناحية التاريخيّة في هذه المرحلة من تاريخهم إنّما كان فيما بعد وقوع ما ذكرته الآية في ختامها
" ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . . "
« 4 » . وقد وقع هذا فيهم متأخّرا بعد عهد موسى بأجيال ، وإنّما عجّل السياق بذكر الذلّة والمسكنة والغضب هنا لمناسبته لموقفهم من طلب العدس والثوم . . . . ويمضي السياق ليستعرض مواقفهم ؛ ففي الآية
" وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ "
« 5 » . نلاحظ التناسق النفسي والتعبيري هنا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 61 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 61 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 61 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 61 ) .
( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 63 ) .