تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
إنّ ظلمهم واقع ؛ أمّا عودهم إلى الشكر والطاعة فموضوع رجاء ، وكما جاء اتخاذ العجل ( من بعده ) فقد جاء العفو من ( بعد ذلك ) . وفي مقابل الفئة الوضيئة
( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ )
في أول السورة نجد هنا
( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )
وفرق شاسع بين التعبيرين ، مع أن الهدى في كلا الموضعين جاء مرتبطا بالكتاب . ونلاحظ كذلك أنّ موسى عليه السلام قد راعى في خطابه لهم البعد النفسي والعقلي والإدراكي ، وواجههم بخطاب متّزن مناسب لواقع حالهم :
" يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ . . . "
. « 1 » ونجد هذا الخطاب يتّخذ أساليب عديدة أوّلها التحبّب والتقرّب
" يا قَوْمِ "
ليصل الخطاب إلى قلوبهم مباشرة ، ثمّ تأتي
" إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ "
وفيها إشارة لواقع حالهم عندما اتّخذوا قرار عبادة العجل ، والجملة مؤكّدة لتناسب الإصرار على تنكّب الهدى في نفوسهم ، والفاء الدالّة على التعقيب تخبر أنّ حالهم لا يحتمل التأجيل ، واختيار صفة البارئ من صفات اللّه تعالى مضافة إلى الضمير الدالّ عليهم ، فيها ضرب من التعنيف والتوبيخ وإشارة إلى إحيائهم بعد ذلك البلاء العظيم ، ويتبدى عنصر المناسبة كذلك هنا في ذكر التوبة فقد جاءت بصيغة الأمر "
فَتُوبُوا "
وذكر توبة اللّه التي عبّر عنها بصيغة المبالغة المسبوقة بضمير الفصل
" إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
. معاتبات متلاحقة ، وتوبيخ مستمر ، وتذكير متّصل . ثمّ يمضي الحوار . وفي مقابل
" وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ "
تأتي
" وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى "
، وفي مقابل قوله
" فَتُوبُوا "
جاء قولهم :
" لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً "
ولذلك جاء التعقيب سريعا ؛
" فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ "
، وفيها تكرير للجملة الواردة في مشهد الإنجاء حين أنجاكم
" وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ "
وفي مقابل ( حتّى ) التي تحدّد الغاية الزمانيّة التي انتهى إليها طلبهم وهي رؤية اللّه
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 54 ) .