منهم ، وبعد أن يبيّن لهم تفاصيل تلك البقرة يعقبه بنصيحة آمرة حازمة
" فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ "
. ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية ، ولكنهم واصلوا طلب التفصيل فضيّقوا على أنفسهم دائرة الاختيار . وانظر إلى هذا التعبير عن لجاجتهم وتلكّؤهم حين سألوه مرّة أخرى
" إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ "
« 1 » . هنا فقط وبعد أن تعقّد الأمر وتضاعفت الشروط قالوا :
" الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ "
وكأنّما كان من قبل ليس حقّا
" فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ "
« 2 » . وهذه القولة ستبقى رمزا لكلّ تسويف ونكث والتواء ؛ فنفوسهم تحنّ للنكوص والنكث ولمّا كان الغرض من ذبح البقرة هو الاختبار ، فقد جاء الطلب والمواصفات ابتداء ولم يكشف لهم الهدف من التكليف إلّا في خاتمه القصة ، وهو إحياء القتيل ليكشف عن قاتله . وفي هذا الموضع بالذات يتغيّر السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة ، فقد كشف اللّه لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة ؛ فلم كانت هذه الوسيلة واللّه قادر على إحياء القتيل بلا وسيلة ؟ ثمّ ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث ؟ أنّ ذبح البقرة موت ، وإحياء القتيل حياة ، لقد أراد اللّه أن يعلّمهم أنّ بيده الموت والحياة وجاء تأخير هذا الكشف اختبارا لمدى التسليم والاستجابة والطاعة ، ولقد تتابع الحوار في عرض القصّة بين موسى وقومه ، ولا يذكر السياق تفاصيل ذلك ، ولا يقول في الخاتمة إنّ موسى سأل ربّه ، ولا إنّ ربّه أجابه ، " وهذا السكوت هو اللائق بعظمة اللّه التي لا يجوز أن تكون في طريق اللجاجة التي يزاولها بنو إسرائيل .
وتنتهي القصّة بمباغتة في الخاتمة . فقد بوغت بنو إسرائيل حين انتفض القتيل حيّا يخبر عن قاتليه ، ومع أنّ المشهد الأخير من القصّة كان من شأنه أن يستجيش في قلوبهم الحساسية والخشية إلّا أنّ التعقيب يأتي مخالفا لكلّ ما يتوقّع ويرتقب " « 3 » . "
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 70 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 71 ) .
( 3 ) في ظلال القرآن ، 1 / 103 .