مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً . . .
" « 1 » . وقد جاء ذكر الحجارة مناسبا لما بينهم وبينها من سابق عهد ؛ فقد رأوها تتفجّر ماء ، ورأوا الجبل يندكّ حين تجلّى عليه اللّه ، وخرّ موسى صعقا ، ومن ثمّ يأتي التهديد
" وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
« 2 » . وقد جاء الخطاب هنا مباشرا وكأنّه يقصد اليهود المعاصرين للنبيّ مباشرة . وبهذا يختم هذا السطر من الجولة مع بني إسرائيل .
وينتقل السياق بعد ذلك إلى خطاب الجماعة المسلمة بضمير المخاطب ، والحديث عن بني إسرائيل بضمير الغيبة ؛ ليشير إلى التحوّل الزمني في الخطاب
" أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ . . . "
وهذا ينتظم الآيات من ( 75 - 103 ) ، ومع أنّ السياق قد أخذ في الاتّجاه بالخطاب إلى الجماعة المسلمة يحدّثها عن بني إسرائيل ، ويبصّرها بأساليبهم ، إلّا أنّه بين آن وآخر يلتفت بالخطاب إلى بني إسرائيل ، ليواجههم بما أخذ عليهم من المواثيق . وتتبدّى أسرار الالتفات واضحة في تحويل سياق النصّ من الحكاية إلى الخطاب ما بين المؤمنين واليهود . وهدفه واضح فحين يتحوّل الخطاب إلى المؤمنين يكون هدفه التبصير ، وحين يتحوّل إلى اليهود يكون هدفه التذكير والتهديد ، ولا ينتهي الحديث عن اليهود عند هذا وإنما يستمر ظهورهم بشدّة أيضا خلال الآيات من ( 103 - 123 ) وسيظهرون كذلك بشكل أو بآخر خلال الآيات ( 142 - 152 ) وهي آيات تحويل القبلة ، ودور اليهود في أحداثها واضح وتنتهي مجموعة الآيات المتخصّصة بالحديث عن بني إسرائيل بالعود إلى تذكيرهم بنعم اللّه
" يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ "
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 74 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 85 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 123 ) .