تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
أجدادهم قد توارثوها فهي لهم ، وقصة النجاة من فرعون جاءت هنا سريعا ، باعتبار أنّ تفصيلات هذه النجاة قد وردت في السور المكيّة فهي هنا مجرد تذكير لقوم يعرفون القصّة . ونقف قليلا مع هذا المقطع من النص ؛ فاللّه سبحانه يعيد على خيالهم ويحيي في مشاعرهم صورة الكرب الذي كانوا فيه
" وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ "
« 1 » . واختيار كلمة ( يسومونكم ) ، وهي من سام الماشية أي جعلها سائمة ترعى أبدا ، ذو دلالة خاصة ، وكأن العذاب هو الغذاء الدائم الذي يطعمونهم إيّاه ، ثمّ يخصّص لونا من هذا العذاب بالذكر هو تذبيح الذكور واستحياء النساء كي يضعف ساعد بني إسرائيل . ونلاحظ استخدام " إذ " الظرفيّة التي تنقل بني إسرائيل من لحظتهم الحاضرة في عهد رسول اللّه في المدينة المنورة إلى ذلك الزمن الغابر أيّام سيدنا موسى عليه السلام ، وكأنّها مشاهد حيّة تبثّ بثّا مباشرا أمام أعينهم ، وهذه المراوحة بين الماضي والحاضر مقصودة باعتبار أنّ أفعالهم ما زالت مستمرة ، ونجدها داخل النص من خلال المراوحة بين الماضي والمضارع ، فالآيات تبدأ بالماضي
" وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ "
ثمّ بعد ذلك تنقل إلى مجموعة من الأفعال المضارعة ( يسومونكم ، يذبّحون ، يستحيون ) ثمّ يأتي بالماضي ( وإذ فرقنا ) وتختم اللوحة بالمضارع
" وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ "
. بعكس اللوحة التالية من لوحات الخطاب المباشر مع بني إسرائيل ، والتي تمضي قدما مع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ناجين ؛ فكل الأفعال الواردة فيها تأتي بالماضي
" وَإِذْ واعَدْنا "
،
" ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ "
،
" ثُمَّ عَفَوْنا "
"
وَإِذْ قالَ مُوسى "
،
" ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ "
" فَتابَ عَلَيْكُمْ
" ، واشتملت على بعض أفعال الأمر " فتوبوا " " فاقتلوا " . ونصبح وجها لوجه أمام ذلك الزمن الغابر مباشرة ، وكأنّنا نعيش مع سيّدنا موسى عليه السلام بكلّ تفاصيل ما حصل آنئذ . وتتكرّر هذه الملاحظة فيما يلي من اللوحات إذ جميعها تتراوح بين الماضي والأمر ، باستثناء بعض الأفعال التي جاءت مع أداة الترجّي مثل :
" لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "
و
" لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "
و
" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "
والحكمة فيه واضحة ، فهذه الأفعال لم تقع أبدا وكانت مجرّد ترجّ منهم ، لكنّهم خذلوا هذا الرجاء ، ووقعوا في نكث العهد وتنكّب
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 49 ) .
الخطاب القرآني — صفحة 447 | خلود العموش