وكثيرا ما يتجاوز معيار الصواب والخطأ الجانب الشكلي ، فيصبح ما يرافق موقف الكلام من سياق خارجي هو الفيصل في هذا المعيار ، وأمثلة ذلك عديدة ، ومنه :
" أنّ حدّ الأسماء الظاهرة أن تخبر بها واحدا عن واحد غائب ، والمخبر عنه غيرها فنقول :
قال زيد ، فزيد غيرك وغير المخاطب ، ولا نقول : قال زيد وأنت تعنيه ، أعني المخاطب " « 1 » . وهكذا يمتنع لديهم أن يقال قال زيد في موقف يكون المخاطب بهذه الجملة هو ( زيد ) ، وعلى الرغم من أنّ هذه الجملة عند من يحتكم إلى قواعد الشكل وحده مستقيمة تماما « 2 » .
وتتبدّى عناصر الخطاب متكاملة في ملاحظات النّحاة واللّغويّين القدامى ، ويتبدّى عنصر الإبلاغ في الخطاب كملحظ أساسي في قبول الجمل أو عدم قبولها ، فتصبح فائدة المخاطب أو السامع معيارا لصحّة الكلام ، ويراعون حال هذا المخاطب في صياغة الجملة أو العبارة فقد لحظ النحاة ما يكون من تغيّر صفات الخطاب وعناصره وفقا لمنزلة المخاطب والأحوال التي تعتريه « 3 » ، ويتمثّل هذا في قول المبرّد : " وكذلك لو قلت للخليفة ، انظر في أمري ، أنصفني ، لقلت : سألته ، ولم تقل أمرته ، لأنك تأمر من هو دونك ، وتطلب إلى من أنت دونه " « 4 » . كما تتدخّل حال المخاطب في تحديد الاختيار النحوي ، فإذا قال لك شيئا تنكره أجبته ب ( كلّا ) ، ولم تجبه ب ( لا ) المعتادة في جواب السلب . ويتوقّف النحاة كذلك عند حقيقة المتكلّم وحاله ، ويكشفون عن علاقتها بحقيقة الكلام وأحواله .
واستقصوا تواتر الأساليب الكلاميّة وفقا لجنس المتكلّم ، كما في أسلوب الندبة ، واستقصوا أعراضا لحال المتكلّم في مواقف الخطاب حتّى ما يعترضه في ذاكرته من توقّف ،
هامش
( 1 ) المبرّد ، ( محمد بن يزيد ) المقتضب ، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة ، عالم الكتب / بيروت . بلا تاريخ ، 4 / 274 .
( 2 ) نهاد الموسى ، الأعراف ، ص 14 .
( 3 ) نفسه ، ص 16 .
( 4 ) المبرّد ، المقتضب 2 / 132 .