مصطلحهم ، واتّخاذه على الحذف خاصّة أصل متواتر في كتبهم ، ومنه قولهم للمرتحل :
راشدا مهديّا ، ومصاحبا معانا ، بإضمار ( اذهب ) . إنّ مقايسة الحقيقة اللّسانيّة بالحقيقة الكونيّة الخارجيّة هي الامتداد النهائي لهذا الأصل عند النحاة ، وهي ملحظ قائم لديهم وقد صرّحوا به في غير موضع ، كما احتفوا بالمواضع المتّفقة بين النظام اللّساني ، ونظام الوجود الخارجي ، فاعتبروا مثلا المؤنّث الحقيقي أقوى من المؤنث المجازي « 1 » .
إنّ النّظام اللّغوي في الأصل يقتضي وجود أطراف يجمعها إسناد ظاهر أو مقدّر ، لكنّ التطبيق اللّغوي قد يسقط أحدها اعتمادا على دلالة القرائن المقاليّة ، أو الحاليّة ، وقد يحرص هذا التطبيق على إبرازها لتدلّ في موضعها دلالة لا تتحقّق بغيابها ، ويضع سيبويه إشارات دقيقة لأثر الحذف في الدلالة ، واتّصال هذا الأثر بطبيعة المبدع أحيانا ، واتّصاله بطبيعة المتلقّي أحيانا أخرى ، بل إنّه أشار إلى وجود سياق بارز لهذا الحذف عند ذكر الديار حتّى أصبح من طبيعة كلام العرب ، كقول ذي الرمّة :
ديار ميّة إذ ميّ مساعفة * ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
" كأنّه قال : اذكر ديار ميّة ، لكنّه لا يذكر ( اذكر ) لكثرة ذلك في كلامهم .
واستعمالهم إياه ، ولما كان فيه من ذكر الديار قبل ذلك " « 2 » ومن العرب من يرفع ( الديار ) كأنّه يقول : تلك ديار فلانة قال الشاعر :
اعتاد قلبك من سلمى عوائده * وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربع قواء أذاع المعصرات به * وكلّ جيران سار ماؤه خضل
ومثله لعمر بن أبي ربيعة
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم * بالكانسيّة نرعى اللّهو والغزلا
هامش
( 1 ) نهاد الموسى ، الأعراف ص 14 .
( 2 ) سيبويه ( أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر [ ت 180 ه ] ، الكتاب ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون / ط 1 ، دار الجيل / بيروت / 1966 ، 1 / 280 .