مادّة الكلام واعتبروه أصلا في وصف الظاهرة اللغوية وتفسيرها « 1 » . وقد تناول الدكتور نهاد الموسى في بحثه الموسوم ب ( الأعراف أو نحو اللسانيّات الاجتماعيّة في العربيّة ) هذه المسألة بالتفصيل مستقريا عشرات الأمثلة على صدور النحاة العرب عن هذا الأصل . مع الإشارة إلى أنّنا إذا كنّا سنجهد أنفسنا في تحليل بعض النصوص للتدليل على صدق هذه المقولة ، فإنّنا في نصوص عديدة لا نحتاج لمثل هذا الجهد كون النحاة قد قرّروا فيه صراحة صدورهم عن هذا الأصل ، فحين يعرّف أولئك النحاة مثلا الكلام يقولون : " هو ما تحصل به الفائدة سواء كان لفظا ، أو خطّا ، أو إشارة ، أو ما نطق به لسان الحال " « 2 » .
ومؤدّاه واضح فإنّ تجليّات الكلام لديهم أربعة : اثنان منها ينتسبان إلى المستوى اللّغوي الخالص وهما : اللفظ والخط ، واثنان ينتسبان إلى المحيط الخارجي الذي يكتنف موقف الخطاب ، وهما الإشارة ووقائع الحال التي تحيط بالخطاب « 3 » . وسبق أن أشرنا إلى مفهوم الإشارة ومحلّه من بحوث جون لاينز وغيره من علماء الدلالة المحدثين . وانتسابها إلى ما يعرف بالقوّة اللاكلاميّة في الحدث الكلامي .
وننقل هنا قولة ابن جنّي : " فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلّف القائل ، ولا كلّف صاحبه الإقبال عليه ، والإصغاء إليه ، وعلى ذلك قالوا :
ربّ إشارة أبلغ من عبارة ، وقال لي بعض مشايخنا رحمهم اللّه . أنا لا أحسن أن أكلّم إنسانا في الظلمة " « 4 » . وفي هذا القول استحضار لما لتأثير عناصر الموقف الخارجي في استعمال اللّغة على مواقف الخطاب وما يصاحبها من حركة اليدين ، أو إيماءات الوجه ، أو دفقات المشاعر المتمثّلة في دمعة وابتسامة ، أو غيرها .
هامش
( 1 ) د . نهاد الموسى : الأعراف أو نحو اللّسانيّات الاجتماعيّة في العربيّة ، الملتقى الدولي الثالث في اللّسانيّات .
تونس . ( 18 - 23 ) فيفيري 1985 ، العدد السادس 1986 / الجامعة التونسية . مركز الدراسات والأبحاث الاقتصاديّة والاجتماعيّة ، ص 147 .
( 2 ) ابن هشام ، شذور الذهب ، 2 / 29 .
( 3 ) نهاد الموسى ، الأعراف ، ص 10 .
( 4 ) ابن جني ، الخصائص 1 / 247 .