" فإذا رفعت فالذي في نفسك ما أظهرت ، وإذا نصبت فالذي في نفسك غير ما أظهرت " « 1 » . فغرض المتكلّم أو المبدع في حالتنا يحدّد سياقات الذكر والحذف . والملاحظ أنّ سياقات الحذف تمثّل - على نحو من الأنحاء - أثر النحو في خلق العلاقات داخل التركيب ، مع الملاحظة أيضا أنّ هذه العلاقات لا تتعامل مع عناصر التركيب على أساس من أهميّة بعضها ، وعدم أهميّة بعضها الآخر وإنّما السياق هو الذي يعطي لكلّ عنصر أهميّته ، بحيث يكون إسقاطه مبرزا لهذه الأهميّة أكثر من ذكره ؛ " لأنّ نفس السامع تتّسع في الظنّ والحساب ، وكلّ معلوم فهو هيّن لكونه محصورا " « 2 » .
وتتّصل الحركة الموضعيّة في الجملة أو النص بما يطرأ على التركيب من تحوّل لبعض عناصره ( بالتعيين ) . وفي هذا المجال اعتبر بعض النحاة أنّ ( النكرة ) هي الأصل ، لأنّها أشدّ تمكّنا من المعرفة على أساس أنّ الأصل في الأشياء أن تكون نكرة ، ثم يطرأ عليها التعريف ، ومن ثمّ فأكثر الكلام ينصرف إلى النكرة « 3 » . وتتفاوت درجة التعريف والتنكير كما تتفاوت درجة النكرة ، وهذا التفاوت بدوره يؤدّي إلى تأكيد عمليّة ( التعيين ) أو التقليل منها حسب السياق الذي يرد فيه الكلام . وحضور المتكلّم والمتلقّي أمر بدهي في حركة الصياغة موضعيّا من خلال التنكير والتعريف ، فعند ما نقول : " زيد منطلق " يكون الكلام مع من لم يعلم أنّ انطلاقا كان لا من زيد ولا من عمرو فيفيده فذلك ابتداء ، وإذا قلنا ( زيد المنطلق ) كان الكلام مع من عرف أنّ انطلاقا كان إمّا من زيد وإمّا من عمرو ، فنعلمه أنّه كان من زيد دون غيره " « 4 » .
وتطالعنا أمثلة عديدة مستخرجة من المادّة النحويّة ، وهي أمثلة صحيحة لمن ينظر فيها نظرة شكليّة داخليّة ، ولكنّها عند من يحتكم إلى مثل هذا الأصل ( سياق الحال ، أو العرف
هامش
( 1 ) الكتاب ، 1 / 280 .
( 2 ) ابن رشيق القيرواني ، العمدة ، 1 / 168 .
( 3 ) سيبويه ( الكتاب ) 1 / 22 .
( 4 ) الجرجاني ( عبد القاهر ) ، دلائل الإعجاز ، ص 196 .