تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
كلّ قوّة ، وجاء المفعول به في الطرف الثاني ( أنفسهم ) لأنّ من يظنّ أنّ بإمكانه مخادعة اللّه والذين آمنوا قد وقع في وهم ليس له آخر . وهكذا فقد تضافرت عناصر لغويّة عديدة وعميقة للتعبير عن الوهم والحقيقة ، ثمّ جاء التعبير عن المخادعة بالفعل المضارع لديمومة إقناع النفس بهذا الوهم بلا كلل ولا ملل ، ثمّ التعبير عن الحقيقة كذلك بالفعل المضارع المسبوق بالنفي ( وما ) ، ومقطوعا بالاستثناء ( إلّا ) وحقيقة وقوع هذا الفعل على ( أنفسهم ) مع عدم شعورهم بهذا . وبذا يكون النص قد عبّر عن حقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين أصدق تعبير وأوضحه . ثمّ يتابع السياق وصفهم وكأنّ سائلا يسأل : لما ذا ؟ لما ذا يحاول المنافقون هذه المحاولة وهذا الخداع ؟ ويأتي الجواب مباشرة :
" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ "
وفي الجملة تقديم وتأخير وأصلها " مرض في قلوبهم " فمكان المرض أهمّ من المرض نفسه لأنّ مرض القلب لا شفاء له ، وقد يكون تنكير المرض من أجل تكثيف دلالته ، وكأنّه مرض مجهول خبيث لا تعرف ماهيّته ، وهذا ما يحيد بهم عن الصراط المستقيم ،
" فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً "
فالمرض ينشئ المرض ، والانحراف يبدأ يسيرا ثمّ تنفرج الزاوية حتّى يصيروا إلى المصير المعلوم الذي يستحقه من يخادع اللّه والمؤمنين ،
" وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ "
. ولقد عبّر عن زيادة المرض بالماضي " زادهم " وكأنّه قد حكم عليهم وانتهى الأمر ، وليس من أمل في شفائهم كالذين ختم اللّه على قلوبهم ، وكما أنّ الختم استهدف القلوب فإنّ المرض استهدف القلب أيضا ، ولم يقل ( أمراض ) بل عبّر باسم الجنس فقد جمعوا في قلوبهم المرض كلّه ، وأمّا عن المصير ففيه كذلك تخصيص لهم من خلال التقديم والتأخير ، وأصله " عذاب أليم لهم " فهم المخصوصون بهذا لما سبق منهم من فعل وجرم . أمّا ( كانوا ) في قوله
" بِما كانُوا يَكْذِبُونَ "
فهي ليست للمضيّ فقد ارتبطت بالفعل المضارع فتعني في هذا السياق ديمومة التكذيب حتّى النهاية . وصفة أخرى من صفاتهم خاصّة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام ورئاسة وسلطان كعبد اللّه بن أبي بن سلول ، هي صفة العناد وتبرير ما يأتون