المؤمنين جاء بالجملة الفعلية ( آمنا ) وهو فعل مرتبط بزمن ، والزمن متلوّن متقلب فهو إيمان لا يتّسم بالثبوت ، أمّا عندما يلتقون بالشياطين ( اليهود ) فيأتي التعبير بالجملة الاسمية الدالّة على الثبوت ، وبصيغتين : الصيغة الأولى
" إِنَّا مَعَكُمْ "
وهي جملة اسميّة مؤكّدة بمؤكّد واحد والمخاطب بهذا النوع من الجمل يكون متردّدا في قبول الحكم الذي تضمنته الجملة ، فيسارع المنافقون لمحو هذا التردّد أو التوجّس أو أدنى شك في نفوسهم بالصيغة الثانية ، وهي جملة واضحة مؤكّدة فيها أسلوب القصر
" إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ "
. أي نحن مستهزءون ولا نكون إلّا كذلك ، وفي الآية نوع من الإيحاء بالدسائس والمكر والكيد والتخطيط في الظلام . وانظر إلى العبارات " خلوا " و " شياطينهم " وما فيهما من ظلام ومكر ، وما ترسمه لفظة الشياطين من مرجعية الكيد والتآمر ، وما يكاد القرآن يحكي قولتهم هذه حتّى يصبّ عليهم من التهديد ما يهدّ الرواسي :
" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ "
جاء في الجواب مبتدئا باسم الجلالة وهو وحده كاف للتهديد وإدخال الرهبة في نفوسهم ، ولم تقل الآية ( يستهزئ بهم ) فتحويل الجملة من الفعلية إلى الاسمية ، وما فيه من ثبوت ، وما في الابتداء من تأثير ، ثم مماثلة الأفعال ، فجاء الفعل من جنس فعلهم ، وهو من باب المشاكلة الصوتية والدلالية التي أشرنا إليها في النظرية ، واستخدام الفعل المضارع إزاء استخدامهم اسم الفاعل ( مستهزءون ) ؛ أي مقابلة حالة دائمة بحالة دائمة أخرى ، ولكن شتّان ما بينهما ؛ فهناك ( نحن ) أي المنافقون وهنا ( اللّه ) ، وفوق الاستهزاء بهم يأتي ( المدّ ) . فقبل ذلك كانت الزيادة في المرض
( فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً )
، وهنا
" يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ "
، ومع الفعل المضارع الذي يزيد ( المدّ ) امتدادا في الطغيان والعمة والتخبّط والمرض ، يتخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته و " اليد الجبارة تتلقّفهم في نهايته ، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ ، غافلة عن المقبض المهين ، وهذا هو الاستهزاء المرعب لا كاستهزائهم الهزيل الصغير " « 1 » ؛ فهي ظلمة وتخبّط فوق ضياع ومرض في مقابل أولئك الأوائل الذين قبسوا ( الهدى ) من الكتاب فأصبحوا
هامش
( 1 ) سيد قطب ، في ظلال القرآن ، 1 / 45 .