صورة واقعة في المدينة ، ونستقصي جملة من تصرفاتها وأعمالها في أسباب النزول ، أمّا داخل النصّ فنجد أنّه ابتدأ بقوله " ومن الناس " وهو ضرب من تقليل الشأن ؛ فكلمة ( الناس ) تحمل عموما غير متناه ، فإذا ما ارتبطت ب ( من ) التبعيضيّة زادت عموميّة وتحسّ فيها لهجة الاستخفاف ، ومع أنّ المنافقين كانوا معروفين للرسول وبعض الصحابة كأبي بكر وحذيفة كما تذكر كتب السيرة ، إلّا أنّ النصّ جعل التعبير فيه عموميّة كبيرة " من الناس " ؛ لما ذكرنا أولا ولأنّ هذا النموذج يعدّ نموذجا مكرورا في أجيال البشرية جميعا .
ولقد رفع أولئك دعوى عبّر عنها النصّ بقوله
" مَنْ يَقُولُ آمَنَّا "
ولقد ربط النصّ الإيمان بالقول ولم يجاوز ذلك ، فهي دعوى حسب ، وجاء القول بالفعل المضارع مرتبطا بالاسم الموصول وكأنّ هذا القول يأتي بحسب الحاجة أو بحسب الطلب ، وليس قولا دائما ، ولذلك يجابههم النص بقوله :
" وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ "
وتأتي الباء الزائدة في سياق النفي لتجعل منه نفيا جازما ، أما التعبير عن حقيقة وضعهم بالجملة الاسميّة وما فيها من ثبوت نفي الإيمان عنهم فملمح آخر في النصّ .
ثمّ هم يظنّون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على الخداع ، لكنّ القرآن يصف حقيقة فعلتهم فهم لا يخادعون المؤمنين إنّما يخادعون اللّه ، وفي هذا النصّ نجد أن القرآن يقرر حقيقة الصلة بين اللّه والمؤمنين ، فصفّه صفّهم ، وأمره أمرهم وشأنه شأنهم ، ويجعل عدوّهم عدوّه ، وما يوجّه إليهم من مكر موجّه إليه سبحانه فما ذا يكون خداع أولئك المنافقين وأذاهم الصغير ؟ وقد وقفنا في الفصل الثاني عند الصيغة ( يخادع ) وما تحتمله من وجهات نظر ، ويطالعنا هنا المعادلتان التاليتان :
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا
-
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
( الظنّ ) - ( الحقيقة )
فما يبدو لهم شيء ، وحقيقة الأمر شيء آخر ، ولذلك جاءت الفاصلة لتعبّر عن حقيقة وضعهم بالقول
" وَما يَشْعُرُونَ "
وعبّر عن ظنّهم ( بالمخادعة ) وعبر عن الحقيقة ب ( الخدع ) ، ولذلك جاء المفعول به في طرف المعادلة الأول ( الظنّ ) هو
( اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا )
وهو ما لا يمكن أن يقع فعل المخادعة عليه لما ذكرنا من عظم هذا الطرف ؛ فقوّة اللّه فوق