عَظِيمٌ "
« 1 » . وفي آيتين اثنتين انتهى من وصف الكفار الصرحاء الذين وقفوا موقف الكفر الواضح ؛ في قولهم وسلوكهم وتدابيرهم . . . . أما الكفار المنافقون فيستغرق وصفهم ثماني آيات كاملة ، ثم يستمر الحديث في تمثيل حالهم خمس آيات أخرى ، فكأنما تحدث عنهم السياق ثلاث عشرة آية متوالية ، وهذه العناية بإبراز صفاتهم لها أسباب في مجتمع المدينة ، وأسباب دائمة لا تقف عند مجتمع معيّن ، وسنعود إليها ، أمّا الكفار الصرحاء فجاء وصفهم بالجمل التالية :
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ " ( 1 ) ، " أَ أَنْذَرْتَهُمْ " ( 2 ) ، " أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ " ( 3 ) " لا يُؤْمِنُونَ " ( 4 ) ، " خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ " ( 5 ) ، " وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ " ( 6 )
.
ونلاحظ ابتداء أنّ الجملة ( 1 ) لا ترتبط برابط مع الآيات التي وصفت المؤمنين ، وذلك لتغاير الموضع والغرض ( بلغة الجرجاني والسكّاكي ) . ثمّ جاءت هذه الجملة مؤكّدة إنكارية وذلك يناسب طبيعة المخاطبين الذين وقفوا ضدّ الدعوة وكفروا بها صراحة ، وبين كفتي اتخاذ الموقف
( أَ أَنْذَرْتَهُمْ )
و
( لَمْ تُنْذِرْهُمْ )
تأتي التسوية لتعطي النتيجة الراجحة
( لا يُؤْمِنُونَ )
و ( لا ) مع الفعل المضارع تعطي ديمومة النفي بلا انقطاع ، وليزيد اليأس من إيمانهم تأتي الجملة رقم ( 5 ) وهي آية الختم على القلوب وعلى السمع والأبصار بحيث لا يتسلّل شعاع واحد من إيمان إلى أي مدخل من مداخل الاستقبال ، فالختم معناه تعطيل منافذ الاستقبال نهائيّا ، ثمّ ينقل السياق هذا الصنف من الناس من الدنيا حيث يمتلكون قلوبا وأسماعا وأبصارا ، لكنّها مختومة بغشاوة غير قابلة للاختراق إلى الآخرة حيث العذاب العظيم . وكان يكفي لو قال :
" خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ "
ليتمّ الختم ، ولكنّ النصّ تفطّن إلى أنّ القلب يحيا بحياة الجوارح فبدأ بالموضع الأخير ( القلب وهو مستوطن الإيمان ) وانتهى بكلّ منافذ الاستقبال ؛ ليجعل اليقين تاما شاملا بكفرهم في الدنيا وعذابهم في
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآيات من ( 6 - 7 ) .