تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
من الفساد ، والتبجّح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون
" وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ "
« 1 » . فهم لا يقفون عند حدّ الكذب والخداع ، بل يضيفون إليهما السفه والادّعاء ، والتبجّح والتبرير
" إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ "
. ولاحظ أسلوب الحصر فهم ليسوا مصلحين حسب ، وإنّما قصروا أنفسهم على هذا الإصلاح ، فهم مصلحون ولا يكونون إلّا كذلك ، ولأجل هذا الأسلوب الذي ينمّ على انحراف آخر من انحرافات التصوّر والاعتقاد ، جاء التعقيب الحاسم
" أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ "
. فالجواب ثمّ الفاصلة القرآنية تصوّر حالهم أبلغ تصوير ؛ فالجواب جملة اسميّة مؤكّدة بعدد من أدوات التوكيد : ( ألا ) التي للتنبيه ، و ( إنّ ) و ( ضمير الفصل ) فهذه الجملة الإنكارية تناسب حال أولئك المتبجحين من المنافقين وكأنّ الآية تقول : هم هم المفسدون ولا أحد سواهم .
" وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ "
ونلاحظ التكرير في هذه المجموعة من الآيات فالفاصلة
" لا يَشْعُرُونَ "
تكرّرت مرّتين للدلالة على حالة الوهم والظلام التي كانوا يعيشونها ، وقد تكرّر معنى هذه الفاصلة بأشكال أخرى منها " لا يعلمون " ، " يعمهون " ، و " وما كانوا مهتدين " . ثمّ صورة الظلام الدامس التي ترسمها صورة الذي استوقد نارا ، ثمّ ذهاب السمع والأبصار والصمم والعمى ، وغيرها كما سيأتي . ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامّة الناس ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس
" وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ "
« 2 » . واضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول ويرونه خاصا بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام ، ومن ثمّ قالوا قولتهم هذه " أنؤمن كما آمن السفهاء " . وهذه القولة تعكس نظرة اجتماعيّة طبقيّة
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان ( 11 - 12 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 13 ) .