الآخرة ، ولا بدّ أن التعطيل قد بدأ بالجوارح ( السمع والبصر ) ولكن المشهد بدأ منذ النهاية على طريقة الاسترجاع ؛ فالابتداء باللقطة الأخيرة في المشهد يربط كلّ اللقطات السابقة بخاتمة محتومة لا يمكن دفعها بعكس المشهد الذي تتسلسل أحداثه تصاعديا ، فإنه يجعل القارئ يطرح الاحتمالات ويرجوها ، ويأملها ، كما إن الآية انتهت بالمشهد الأخير زمنيا ( الآخرة ) حيث العذاب العظيم ففيه تناسب ، وانسداد القلب ابتداء أدّى إلى انسداد الرحمة انتهاء ؛ وفي الآية تقديم وتأخير ( وعذاب عظيم لهم ) ؛ وذلك لأن الضوء مسلّط الآن على الفئة المستحقة للعذاب ، فالسياق كلّه فيها من بدايته
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . "
.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال واحد عن سبب إسناد الختم إلى اللّه
" خَتَمَ اللَّهُ
" والجواب أن أولئك اختاروا الكفر ( كفروا ) ثم أصرّوا
" سَواءٌ عَلَيْهِمْ . . .
لا يُؤْمِنُونَ "
، وأصرّوا إلى النهاية بدليل أنه مهما فعلت فإنّهم لا يؤمنون ، ومن هنا جاء الختم على القلوب والأسماع والأبصار من اللّه نتيجة وليس حكما ، فقد اختاروا أن تكون لهم جوارح معطلة فاستجاب اللّه لاختيارهم ثمّ ليبيّن لرسوله أن لا أمل يرجى في إيمانهم .
أمّا الفئة الثالثة وهم المنافقون فقد كانوا صورة جديدة على المؤمنين ؛ لذلك كان الأمر في حاجة إلى كشف وتنبيه مفصل لأحوالهم وسماتهم حتّى يحذرهم المؤمنون ويأمنوا كيدهم ، أما السبب الدائم فهو أنّ المنافقون دائما وفي كل مجتمع أخطر من الأعداء الصرحاء ، فهؤلاء موقفهم مكشوف ، أمّا المنافقون ، فهم يظهرون شيئا ويخفون شيئا آخر .
ولذلك فالسياق يضع العلامات الحمراء عليهم حتّى يتجنبهم السائر في الطريق ، وعلى مدى ( 65 ) جملة .
" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . . . "
إذن فهي ثلاث عشرة آية و ( 65 ) جملة للفريق الثالث ، فهذا النوع من المخاطبين تحكّم بحجم النصّ للأسباب التي ذكرنا ، والصورة التي يرسمها السياق لهذه الفئة " ليست في شفافية الصورة الأولى وسماحتها ، وليست في عتامة الصورة الثانية وصفاقتها ، ولكنّها تتلوّى في الحسّ وتروغ من البصر ، وتخفى وتبين " « 1 » . ولقد كانت هذه
هامش
( 1 ) في ظلال القرآن ، 1 / 69 .