تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
فضلا عن نظريّة عقديّة سفيهة ، ونلاحظ أنّ دعوتهم للإيمان جاءت بأسلوب بسيط واضح ( آمنوا ) وهو فعل أمر بسيط ، ثمّ
( كَما آمَنَ النَّاسُ )
، أي ولديكم نموذج في الإيمان عبّر عنه بتعريف كلمة ( الناس ) في مقابل
( مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ )
الذين سبق الحديث عنهم ، فأولئك بعض الناس وهو نوع من التهكّم في مقابل الناس الحقيقيّين الذين اقترنت إنسانيّتهم بالإيمان وليس بالقول والادّعاء . أمّا جواب الدعوة فقد جاء من المركّبات التالية : " أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ ! " وهو استفهام إنكاري ترافقه جملة فعلية مسبوقة بكاف التشبيه ، وبنظرة واحدة نجد أنّ مركّبات الدعوة إلى الإيمان تساوي في الحجم مركّبات الإجابة على هذه الدعوة تقريبا ، فالأمر يقابله الاستفهام الإنكاري ، و
" كَما آمَنَ النَّاسُ "
حلّت محلّها
" كَما آمَنَ السُّفَهاءُ "
. إنّ هؤلاء الذين تدعوننا إلى الاقتداء بهم هم السفهاء الفقراء ، وهذه الموازنة بين قولتهم وبين ما يدعون إليه هي دعوة للنظر بين نموذج من الإيمان والإنسانيّة تجلّى في أجمل صورة في مطلع السورة الكريمة ، وبين نموذج من الصلف والسفه والغرور والتبجّح والنفاق ليس مسبوقا أبدا ؛ ولذلك جاء التعقيب القرآني ليضع نتيجة المعادلة غير الموزونة في ميزانها الصحيح :
" أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ "
. ومرّة أخرى تأتي الجملة اسميّة خبريّة إنكاريّة لتواجه هذا السفه وهذا الانحراف ، ولكن متى علم السفيه أنه سفيه ؟ !
" وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ "
. وحلقة أخرى من حلقات الظلام المقيم الذي يعيشون فيه ، الذي انعدم فيه الشعور
" لا يَشْعُرُونَ "
، والعلم
" لا يَعْلَمُونَ "
. وجاءت ( لكن ) لتطيّب خاطر المؤمنين مستدركة على خواطرهم التي قد تعقدها الدهشة حين يسمعون تفوّهات السفه والغرور من هذا الصنف من المخاطبين . ثمّ تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقي ، ن وهي صفة اللؤم والتآمر في الظلام
" وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ "
« 1 » . فحالهم مع
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 14 ) .