تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
ولعلّ أحدهما أفضى إلى الآخر ، أو هما درجتان من الهدى ؛ ولكن لا ريب أنّ حروف الجر تأخذ شكل معادلة ذات نمط تعبيريّ معين : الكتاب ( فيه هدى ) - أولئك ( على هدى )
( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
أمّا تكرار ( أولئك ) في آية واحدة فقد وقف عنده المفسّرون ، وأشرنا إليه في الفصل الثاني من هذا الكتاب « 9 » ، ونقف عند ضمير الفصل ( هم ) الذي يشعر بالاختصاص ، وكأنه لا أحد سواهم هو المفلح ، ذلك الفلاح الآتي من امتلاك الهدى المؤدي إلى الصراط المستقيم الذي ورد ذكره في سورة البقرة ، وهذا هو الضرب من المخاطبين الذين ذكرنا طرفا من أخبارهم في مبحث ( الموضوع ) ممّن تركوا الدنيا جميعا وهاجروا مع رسولهم ، وحين نقابل مواصفات النصّ مع مواصفات السياق نرى أنهم استحقّوا هذا الوصف بجدارة . وبعد هذا الاستفتاح الذي حدّد سمات المؤمنين يتحدّث عن غير المؤمنين ، والتقسيم الغالب في القرآن هو تقسيم الناس إلى مؤمنين وكافرين ، وكان كذلك الحال في العهد المكيّ ، أما في المجتمع المدني فبدأت تظهر فئة جديدة من البشر ، وهي ليست فئة ( ثالثة ) غير المؤمنين والكافرين ؛ فإنه لا توجد فئة غير هاتين
" خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ "
« 1 » . ولكنّها فئة متميّزة داخل فريق الكافرين وهي فئة المنافقين ، وهذا التقسيم الثلاثي : إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين ( وهم أشد كفرا ) يجيء في مقدمة سورة البقرة ليصف حال المجتمع الذي يحيط بالدولة الناشئة ؛ فالكفار من مشركي العرب جانب ، والمنافقون من جانب آخر ، وكما يحيط هؤلاء بالمسلمين في عالم الواقع ، فإنّهم يحيطون بهم كذلك في سياق السورة
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ
هامش
( 9 ) انظر ص ( 244 ) من هذا الكتاب . ( 1 ) سورة التغابن ، الآية ( 2 ) .