تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
الشواهد في هذه السورة الكريمة فإنّنا سنتخّير بضعة أمثلة لكل جماعة من المخاطبين ، فبعد الحروف المقطّعة التي تفتتح بها السورة ، نجد سمات الأمّة الجديدة التي كتب اللّه لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس ، و ( ذلك ) كما قال المفسّرون إشارة لما في سورة الفاتحة حين سألوا اللّه الهدى
" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ "
جاء الجواب أنّ الهدى للصراط المستقيم هو في ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ، وقد قرّر السياق هذه الحقيقة في كلمات قلائل ، لأنّه لم يعد يردّ على المكذّبين والمجادلين الذي يجادلون في صدق الوحي والرسالة ، وفي أنّ الكتاب منزّل من عند اللّه ، إنّه يخاطب المؤمنين اليوم مباشرة بعد أن تميّزوا عن الكفّار في مجتمعهم الجديد القائم بذاته ، وصار الكلام والتوجيه لهم خاصّة ، وإن كان يحدّثهم - في السورة - عن المشركين والمنافقين واليهود والنصارى ولكنّه يحدّثهم ليعلّمهم ويعرّفهم بأحوال هذه الفئات ومواقفها ، لا ليجادلها جدلا مفصّلا في صحة الوحي والكتاب ؛ ويعد هذه الحقيقة الموجزة يمضي السياق إلى تقرير سمات المتّقين ، وهو تقرير وتوجيه في الوقت ذاته ، ولننظر كيف وصف النصّ الجماعات المختلفة بحسب موقفها من ذلك الكتاب . أمّا المتّقون فقد جاءت الآيات ( 2 - 5 ) لوصفهم ؛ أي أربع آيات فقط لوصف المؤمنين أمّا سماتهم التي ذكرها فهي :
" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ " ( 1 ) ، " وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ " ( 2 ) ، " وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ " ( 3 ) ، " وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ " ( 4 ) ، " وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ " ( 5 ) ، " وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ " ( 6 ) ، " أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ " ( 7 ) ، " وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " ( 8 )
. ثماني جمل متتابعة في آيات أربع لتصف المؤمنين ، والجملة الأولى ارتبطت مع الآية الأولى في السورة عن طريق الاسم الموصول ( الذين ) فكأنما التقوى كلّها ممثّلة فيهم ( المتقين الذين ) فالوصف بالوصل يحمل معنى التمثّل الكامل ، والإيمان بالغيب هو الصفة الأولى للمؤمنين ، وهي الصفة الكبرى كذلك وهي مصدر الصفات الأخرى جميعا ؛ فوضعها في مقدّمة صفات المتّقين لا تجيء اعتباطا ؛ فكيف يتّقون إن لم يؤمنوا باللّه وهو غيب ، وبالوحي وهو غيب ، وباليوم الآخر وهو غيب ، وبال . . . إنّ قاعدة حياة المؤمن