تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
لتقول : نحن نتلو عليك هذه الآيات ، ونزوّدك بهذه التجارب البشريّة ، وتجارب الموكب الإيماني كلّه في جميع مراحله ، ونورثك ميراث المرسلين أجمعين . أمّا اتصالها بما قبلها فهو قوله عزّ وجل
" وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ "
ومن فضله أن زوّدك بكلّ هذه التجارب ، ومن فضله أنّك مرسل جديد إلى هذه البشريّة ، وهي أيضا تذكير للمتلقّي الأوّل بدوره في تبليغ الرسالة ، ولذلك خصّ فيها بالخطاب ( عليك ، وإنّك ) وتترابط هذه الآية بما سبق من الآيات عن طريق الإحالة الإشارية ( تلك ) وهي اسم إشارة للبعيد ، مع أنّ الخطاب يبدو الآن مباشرا حاضرا ( عليك وإنك ) وكأنّ الخطاب كان أصلا مع المخاطب الأول ، وجاء القصّ في ثنايا الحديث ليثبّته ويقوّي عزائمه ، وييئسه من إيمانهم ثم عاد إليه مرة أخرى ليقول له :
" إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ "
. هذه أمثلة حسب عن تعامل النصّ مع المتلقّي الأول ، ونخلص منه إلى أن النصّ قد خاطبه بأكثر من طريقة ؛ أولها باعتباره مخاطبا ومخاطبا معا ، وذلك في الآيات التي فيها ( قل ) وأحيانا باعتباره مخاطبا فقط كما في آيات تحويل القبلة ، وحين يخاطب كذلك فهو جزء من المخاطبين ، والرسالة الموجّهة إليه تكون موجّهة للجميع ، ولكنّه يخصّص باعتبار مكانته في رأس الجماعة المسلمة ، وتوجيه للمسلمين بالاقتداء والاتباع ، وقد رأينا أن للنصّ آليات عديدة في إيضاح موقف المخاطب الأول ومراعاة مكانته ، وتبدّى ذلك من خلال روابط النصّ ( الضمائر ) وتنويعها على سبيل الالتفات ، ثم في أسماء الإشارة ، وتركيب الخطاب وأساليبه وصيغته من حيث نوع الجملة وترتيب عناصرها وأسلوبها .

4 - النصّ والمخاطبون :

إنّ الرسالة تتقولب بحسب المخاطب ، أي تتشكّل لإيصال الرسالة له ، أو لتصفه حسب أحواله ، أو تقرأ مواصفات هذا المخاطب وغرضه وتفكيره وسلوكه ، أو نتوقّعها من خلال ما تشي به بنية النص وروابطه وصيغه ، ولصعوبة استحضار جميع