تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
واستعدادهم للتلقّي والتغيير . وسنقف مع سؤالهم عن الخمر وقفة متأنّية
" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما "
« 1 » . إنّ هذه الآية جاءت لتبيّن للمسلمين حكم الخمر والقمار ، وكلتاهما لذّة من اللذائذ التي كان العرب غارقين فيها ، وكانت تستغرق مشاعرهم وأوقاتهم ، وإلى ذلك الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية لم يكن قد نزل تحريم الخمر والميسر ، ولكنّ نصّا في القرآن كله لم يرد بحلّهما ، إنّما كان اللّه يأخذ بيد هذه الجماعة الناشئة خطوة خطوة في الطريق الذي أراده لها ، ويهيّئها للدور الذي قدرّه لها والذي لا يتلاءم معه ذلك الضياع في الخمر والميسر . وهذا النصّ الذي بين أيدينا كان أوّل خطوة من خطوات التحريم ، ويظهر هذا النصّ خصيصة من خصائص النص القرآني في معالجة الواقع ؛ فحين يتعلق التوجيه القرآني بقاعدة من قواعد التصوّر الإيماني والعقيدة ؛ فإنّه يقضي فيها قضاء حاسما منذ اللحظة الأولى ، وإذا تعلّق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد أو بوضع اجتماعي معقّد فإنّه يرفق ويتدرّج ، ويهيّئ الظروف الواقعيّة التي تيسّر التنفيذ والطاعة ، وقد كان الخمر والميسر أمر عادة وإلف ، فبدأ بتحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي بأنّ الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع ، وفي هذا إيحاء بأنّ تركهما أولى ، ولاحظ سياق الآية
" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، قُلْ . . . "
فسؤالهم عن الحكم قد يعني استعدادهم للقبول بأيّ حكم يأتي ، ومع ذلك ، فإنّ علم اللّه بأحوالهم واستحكام هاتين العادتين فيهم جعل التحريم الصريح يتأخّر وجاء الجواب ( قل ) ، ومضمون هذا القول " فيهما إثم كبير ومنافع " وهو جواب فيه تقديم وتأخير ليسلّط الضوء على موضع السؤال من جهة ( الخمر والميسر ) ، وليعلّق السائل بموطن الإثم الكبير في هذه الحالة ، وليضع نوعا من النفور بينهم
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 219 ) .