تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
وبينه ، حيث إنّ الخمر والميسر هما مناط هذا الإثم ، وجاء الإثم موصوفا بوصف تضخيمي ( إثم كبير ) ، وجاءت المنافع منكّرة ، وجاءت كلمة الإثم الدالّة على المفرد لتوحي بجنس الإثم كلّه ، بينما جاءت منافع بصيغة الجمع ليدلّ على أنّها مهما كثرت فهي معدودة ؛ أمّا الإثم فهو توالدي ، كلّ إثم يفضي إلى آثام عديدة غير متناهية ، ثمّ جاء الإثم سابقا للمنفعة لتعليق الذهن بالإثم وليس بالنفع ؛ فالإثم هو القاعدة ، والمنفعة هي الجزء العارض اليسير ؛ فالإثم أكبر من النفع ، وقد يكون ربط هذه الآية بالآيات الأخرى التي نزلت في الموضوع نفسه مفيدا في تبيّن استراتيجيّات النصّ في معالجة الواقع ؛ ففي الخطوة الأولى تحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في سورة البقرة ، ثمّ جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء
" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ "
« 1 » . وفي هذا تضييق لفرص مزاولة عادة الشرب ، وكسر لعادة الإدمان التي تتعلّق بمواعيد التعاطي لتقارب أوقات الصلاة ، وبذا تفتر حدّة العادة ، وبعد ذلك جاء النهي الحازم الأخير :
" إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "
« 2 » . وهذه الآية في سورة البقرة وإن بدأت بخطاب مع المتلقّي الأوّل ( قل ) إلّا أنّه تحوّل بعد ذلك إلى خطاب للجماعة كلّها وتربية شاملة لها . ومن الأمثلة كذلك على خطاب المتلقّي الأول في سورة البقرة الآية ( 252 )
" تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ "
، وقد جاءت هذه الآية بعد سياق طويل يذكر بني إسرائيل يبدأ من الآية ( 243 )
" أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ . . . "
وفيه بعض قصصهم مع أنبيائهم ، وقصّة طالوت وجالوت . . . . ، ثمّ دعاء الفئة المؤمنة بالصبر والثبات ، ثمّ انتصارهم ، ثمّ أتت هذه الآية كالتعقيب النهائي على القصّة ،
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 43 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية ( 90 ) .