تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
ونفاجئ بهذا الخطاب الصارم إلى نبيّه الذي حثّه منذ لحظة ذلك الحديث الودود ، " إنّ الأمر هنا يتعلّق بالاستقامة على هدى اللّه ، ويتعلّق بقاعدة التميّز والتجرّد إلّا من طاعة اللّه ونهجه ، ومن ثمّ يجيء الخطاب بهذا الحزم والجزم ، وبهذه المواجهة والتحذير " « 1 » .
" إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ "
؛ فالآية تحدّد المواقف إزاء المنهج ؛ ولذا تكرّر أسلوب الشرط مرّة بعد أخرى
" وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ . . . "
" وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ "
. ولأنّ موقف الرسول مركزيّ ومحوريّ وغاية في الأهميّة ، فإنّ جواب الشرط جاء في هذه الآية مركّبا وليس بسيطا كما في آية موقف أهل الكتاب التي جاءت بسيطة " ما تبعوا قبلتك " فهي جملة خبرية بسيطة مسبوقة بنفي . أما هنا
" إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ "
فهي خطاب فرديّ مباشر ( أنت ) . وهو أشدّ تأثيرا في الدلالة على التبعة والمسئوليّة ، ثمّ إنّه جاء جملة خبرية إنكارية ( تشتمل على أكثر من مؤكّد ) ، و ( إذا ) الظرفيّة ارتبطت بفعل الشرط ؛ وهي أبلغ في التعبير عن ترتّب جواب الشرط على فعله ، وتوحي صيغة الجمع ( لمن الظالمين ) - على الرغم من ابتداء العبارة بخطاب فردي - بتحوّل هذا القائد العظيم من موقع التفرّد والتميّز والقيادة إلى أن يكون مجرد واحد من أولئك الذين اختاروا ألّا يتبعوا القبلة - المنهج فيما لو اتبع أهواءهم - لا قدر اللّه - . وفي مجموعة الآيات التي تبدأ بقوله " ويسألونك " وهي كثيرة في هذه السورة تطالعنا مواقف شتّى يسأل فيها المسلمون نبيّهم عن شؤون مختلفة تصادفهم في حياتهم الجديدة ، ليسلكوا إزاءها ما يتطلّبه منهج الإسلام المتفرّد ؛ فسألوا عن ظواهر الكون ( الأهلّة ) ، وعن الإنفاق
" ما ذا يُنْفِقُونَ "
ومن أيّ نوع من مالهم ينفقون ؟ وأيّ قدر وأيّ نسبة ؟ ، وعن القتال في الشهر الحرام ، وعن الخمر والمحيض ، وهي أسئلة ذات دلالات شتّى ، فهي دليل على تفتّح وحيويّة ونموّ في الحياة وعلاقاتها ؛ وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الذي بدأ يأخذ شخصيّته الخاصّة ، كما أنّها تعكس علاقتهم بنبيّهم ، ورغبتهم
هامش
( 1 ) في ظلال القرآن ، 1 / 38 .