أمّا لما ذا جاء الأمر للرسول أوّلا ثمّ إلى المسلمين ؛ فقد أشرنا إلى دور الرسول في البلاغ والبيان ، فتخصيصه بالخطاب هو تخصيص له بالرسالة ؛ ثمّ إنّه عليه السلام كان بحاجة إلى لفتة خاصّة ، وذلك لما اعتراه من قلق وحيرة نتيجة للتشويش والتحريض ، فجاءت هذه اللفتة الحانية الرحيمة لتحقّق له الرضى والسكينة ، ومن جانب آخر فإنّ الرسول الكريم هو قائد الجماعة المسلمة ؛ ففعله وعمله ورضاه واستقراره هو مصدر اقتداء للبقية من المؤمنين ؛ ولذا فقد جاءت الضمائر وطريقة الخطاب تترجم هذه الرعاية وهذا المنهج في التربية . ثمّ يتوجه اللّه إليه بخطاب خاصّ آخر
" وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ "
فالنبيّ يريد لهم الهداية ، وهو يحاول معهم مرّه بعد أخرى ، ولعلّ إصراره على هداهم وتنكّبهم في كلّ مرّة كان يزيد في أرقه وضيقه ، فيأتي الخطاب بجواب قاطع بأسلوب الشرط فمهما أتيت من آية مقنعة فسيكون الجواب " ما تبعوا قبلتك " ومع أنّ القبلة ليست لمحمّد وحده فقد نسبها الخطاب إليه ، والمقصود منهجك الذي تدعو إليه والذي ترمز إليه هذه القبلة . وفي مقابل إصرارهم على الغيّ يأتي موقف النبيّ وإصراره " وما أنت بتابع قبلتهم " ولاحظ وجود أداة العطف ( الواو ) مع أنّ النفي يلازم الجملتين وذلك لوجود التغاير بين معنى الجملتين ؛ فالجمل لا تحتاج إلى أداة رابطة إذا كان بعضها بيانا لبعض ، ونحتاج الأداة إذا حدث تغاير في اتجاه الدلالة ، فالفرق بين موقفه وموقفهم قد عبّر عنه النص بضمير المخاطب ( قبلتك ) وضمير الغائب ( قبلتهم ) فهما اتّجاهان مختلفان ، ثمّ لاحظ الباء المزيدة " بتابع " التي إذا اقترنت بالنفي زادت المعنى قوّة والموقف صلابة ، أي ليس من شأنك أن تتّبع قبلتهم أصلا ، ثمّ استخدام الجملة الاسميّة المنفيّة هنا أبلغ في بيان الشأن الثابت الدائم للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تجاه هذا الأمر ، وفيه إيحاء قويّ للجماعة المسلمة من ورائه بأن لا تختار غير ما اختار لها ربّها ، وما كان النبيّ وقد علم الحق أن يتّبع أهواءهم .
" وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ "
.