امترى يوما ولا شك ، ولكنّ توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه يحمل إيحاء قويّا إلى من وراءه من المسلمين ، سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثّر بأباطيل اليهود وأحابيلهم ، ومن يأتي بعدهم ممّن تؤثّر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم ، وبعد ذلك يأتي الخطاب عامّا " ولكلّ وجهة هو مولّيها فاستبقوا الخيرات . . . " ثمّ يعود فيؤكّد الأمر بالاتجاه إلى القبلة الجديدة المختارة مع تنويع التعقيب ،
" وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
« 1 » . وقد بدأت الآية بخطاب مباشر إلى النبيّ وانتهت بخطاب شامل ( تعملون ) وجاء التحذير الخفيّ في الخطاب " وما اللّه بغافل عمّا تعملون " ليدلّ على أنّه كانت هناك حالة واقعة وراءه في قلوب بعض المسلمين ، تقتضي هذا التحذير الشديد ، ثمّ توكيد للمرة الثالثة بمناسبة غرض آخر جديد هو إبطال حجّة أهل الكتاب ، وحجّة غيرهم ممّن كانوا يرون المسلمين يتوجّهون إلى قبلة اليهود فيميلون إلى الاقتناع بما يذيعه اليهود " . ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره . . . " فلما ذا جاء الأمر للرسول أوّلا ثمّ إلى المسلمين ، ولما ذا تكرار الأمر بشأن القبلة ؟ إنّ في تكرار الأمر بشأن القبلة الجديدة معنى جديدا في كلّ مرّة ؛ في المرّة الأولى كان الأمر بالتوجّه إلى المسجد الحرام استجابة لرغبة الرسول بعد تقلّب وجهه في السماء وضراعته الصامتة إلى ربّه . وفي الثانية كان لإثبات أنه الحقّ من ربّه يوافق الرغبة والضراعة . وفي الثالثة كانت لقطع حجّة الناس والتهوين من شأن من لا يقف عند الحق والحجّة ؛ فالتكرار هنا مرتبط بمقصد الخطاب وهدفه ، ولكنّنا نلمح أيضا وراء هذا التكرار أنّه كانت هناك حالة واقعة في الصفّ الإسلامي تستدعي هذا التكرار ، وهذا التوكيد ، وهذا البيان وهذا التعليل ممّا يشي بضخامة الحملة التي كان يشنّها اليهود وأثرها في بعض القلوب والنفوس ، ، هذا الأثر الذي كان يعالجه القرآن الكريم " ثمّ تبقى النصوص بعد ذلك على مدى الزمان تعالج مثل هذه الحالة في شتّى صورها " « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 149 ) .
( 2 ) سيد قطب ، في ظلال القرآن ، 1 / 37 .