النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً "
« 1 » . وتشتمل الآية ( 143 ) على الحديث عن الغاية والهدف من حادثة تحويل القبلة
" وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كانَتْ . . . "
. وذلك أنّ الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبّست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة ، وشابت عقيدة جدّهم إبراهيم شوائب من الشرك ، ومن عصيّه الجنس ؛ إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدّس ، واللّه يريده أن يكون بيت اللّه المقدّس ؛ ولذلك فقد صرف المسلمون عنه فترة ، ووجّههم إلى بيت المقدس ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبّس القديم ، ثمّ ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول - صلّى اللّه عليه وسلم - " وإن كانت لكبيرة إلّا على الذين هدى اللّه " وبعد ذلك يبدأ النصّ بالحديث عن المتلقّي الأوّل " قد نرى تقلّب وجهك " ويصوّر مطلع الآية حال النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ( قد نرى ) ، ثمّ التعبير عن وضع رسول اللّه بالمصدر ( تقلّب ) يشي برغبته القويّة في أن يوجّهه ربّه إلى قبلة غير القبلة التي كان عليها . إنّ النصّ يتفاعل مع انفعالات النبيّ ولقد أجابه ربّه إلى ما يرضيه ، والتعبير عن هذه الاستجابة يشي بتلك الصلة الرحيمة الحانية الودود " فلنولينّك قبلة ترضاها " .
والفاء بما تحمله من تتابع وتعاقب ثمّ قوله " فولّ وجهك " أيضا ، مع أنّ فترة التقلّب كانت تبدو عصيبة صعبة ، بدلالة التعبير عن رؤية اللّه لها بالمضارع وليس ( قد رأينا ) .
وإشارة إلى دور رسول اللّه بالبلاغ وإيصال الخطاب يأتي ذكره أوّلا " فولّ وجهك " ثمّ " وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره " وهذا جزء من الخطاب يظهر على وجه التفصيل علاقة النصّ بالمخاطب الأوّل ؛ فهو يرصد حركته ، ويوجّه انفعاله ورغبته ، ويستجيب له . وبعد ذلك يوجه اللّه الخطاب إلى النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب
" الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ "
« 2 » . ورسول اللّه ما
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 143 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 147 ) .