تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
وليس واقعة محدّدة ، وهذا هو النصّ في محوريه : الآني والتعاقبي ، وهذا ما ينطبق على آليات النصّ في الحديث عن الواقعة المحدّدة ، ثمّ الانتقال بها إلى الآفاق الرحيبة من التعبير عن كل حالة مشابهة . ثمّ ينتقل النصّ إلى طرح مقولة أولئك اليهود على شكل استفهام كبير " ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " وهي المسجد الأقصى ، ويلاحظ أنّ صيغة الخطاب جاءت مليئة بالضمائر : التعبير عن المسلمين بضمير الغائب استبعادا وكرها ، وإسناد القبلة للمسلمين " قبلتهم " رغبة في استمرار توجّههم لبيت المقدس ، ويبدو في صيغة الآية كلّها عمليّة التشكيك وتغيّر المواقف بين ( عن ) و ( كانوا ) و ( عليها ) كنوع من التأثير النفسي على المسلمين . ثمّ يبدأ النصّ في علاج آثار هذا التساؤل والردّ عليه بتلقين الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ما يواجههم به " قل :
لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ "
« 1 » . إنّ النصّ يتوقّع اتهاماتهم ، ولذلك جاء الأمر ب ( قل ) ، ثمّ المقول جملة اسميّة فيها تقديم وتأخير سببه الدلالة المركزية في العبارة وهي أنّ الجهات والأماكن لا فضل لها في ذاتها ، إنّما يفضّلها ويخصّصها اختيار اله وتوجيهه ؛ ولذلك قدّم لفظ الجلالة مسبوقا باللام التي تدلّ على التملك والاختصاص ( للّه ) ، واللّه الذي بيده الجهات هو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فإذا اختار لعباده وجهة ، واختار لهم قبلة فهي إذن المختارة ، وعن طريقها يسيرون إلى صراط مستقيم . أمّا علاقة الآية بما بعدها فإنّ الآيات الآتية تتحدّث عن حقيقة الأمّة الكبيرة في هذا الكون ، وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض ، وعن مكانها العظيم ودورها الأساسي في حياة الناس ممّا يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصّة وشخصيّتها الخاصّة « 2 » .
" وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 142 ) . ( 2 ) سيّد قطب ، في ظلال القرآن ، ص 36 .