تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
بشيء تأدّبا مع اللّه وانتظارا لتوجيهه بما يرضاه « 1 » . فنزلت الآيات الكريمة لتستجيب لما يعتمل في صدر الرسول
" قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها "
« 2 » . وحين سمع المسلمون بتحويل القبلة إلى البيت الحرام ، وكان بعضهم في منتصف صلاة حوّلوا وجوههم شطره ، وأكملوا الصلاة تجاه القبلة الجديدة ، عندئذ انطلقت أبواق يهود ، وقد عزّ عليهم أن يتحوّل محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - والجماعة المسلمة عن قبلتهم وأن يفقدوا حجّتهم التي يركنون إليها في تعاظمهم ، وفي تشكيك المسلمين في قيمة دينهم ، وقالوا للمسلمين إذا كان التوجّه إلى بيت المقدس باطلا فقد ضاعت صلاتكم هذه الفترة ، وإن كانت حقا فالتوجّه إلى المسجد الحرام باطل ، وعلى أيّة حال فإن هذا التغيير للأوامر لا يصدر من اللّه وهو دليل على أنّ محمّدا لا يتلو الوحي عن اللّه . هذا عن المقام الذي أحاط بآيات تحويل القبلة ، فما ذا عن النصّ ؟ إنّنا سنضع هذا الجزء من النصّ ضمن إطاره الأوسع فهو جزء من سورة البقرة ، وقد أحطنا بسياقها العام ، ثمّ إنّ سورة البقرة جزء من القرآن الكريم الذي هو النصّ الواحد الذي تتعالق كلّ أجزائه بروابط متينة ، وهذا يعيدنا للّساني الذي قال : إنّ التحليل الدلالي الدقيق لجملة من كتاب يقتضيك قراءة الكتاب كلّه من الغلاف إلى الغلاف " « 3 » . وفي ضوء هذين الإطارين نقترب أكثر من السياق اللّغوي للآيات المعنيّة ( 142 - 145 ) ونجد أنّها بدأت بالسين الدالّة على الاستقبال " سيقول " وأطلقت على جماعات المشكّكين اسم ( السفهاء ) ، ومن السياق القرآني ومن سياق الأحداث في المدينة يتّضح أن المقصود بالسفهاء هم اليهود ، فهم الذين أثاروا الضجّة حول تحويل القبلة ، وكلمة السفهاء وإن تعلّقت باليهود مباشرة بواسطة ال ( العهديّة ) ولكنّها تحمل بعدا تأويليّا مفتوحا بوساطة شبة الجملة " من الناس " . فمن التبعيضيّة يمكن أن يكون السفه حالة متكرّرة
هامش
( 1 ) انظر أسباب النزول للواحدي ، ص ( 23 - 24 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 143 ) . ( 3 ) إمبرتو إيكو ، القارئ في الحكاية ، ص 13 .