كما نرى مثلا في ( دون كيشوت ) أو إلى مكان يشمل مساحة هامّة محورية في فضاء النصّ مثل ( زقاق المدقّ ) . أو إلى أحداث تمثّل مؤشّرا يحدّد الطابع الفكري أو الإيديولوجي للنصّ مثل ( الحرب والسلام ) ، أو ( موسم الهجرة إلى الشمال ) . كما يمكن أن يقوم العنوان بدور الرمز الاستعاري المكثّف لدلالات النص ، مثل : ( شجر الليل ) أو ( المعبد الغريق ) ، أو يشير إلى أساطير موظفة في النصّ مثل ( عوليس ) أو ( رحلة السندباد ) « 1 » .
فالكرماني وكذلك ( براون ويول ) قد ربطوا العنوان بمقصد الخطاب وغرضه ، أما الزركشي فقد ربطه بالسياق الثقافي ( تقليد معلوم ) كما يربطه ( براون ويول ) بالقارئ ودوره في تعضيد فكرته عن موضوع النص ، ويربطه صلاح فضل بموضوع الخطاب وبنائه وكذلك بالمتلقّي ، ولا يمنع من الجمع بين هذه الآراء جميعا مانع أبدا ، فالعنوان جزء من موضوع السورة ، بل هو جزء مكثّف منه ، و ( البقرة ) تصلح أن تكون رمزا مكثّفا محوريّا لصنيع بني إسرائيل وموقفهم من الرسالة الجديدة ، وهو موضوع رئيس كما رأينا في فقرة موضوع الخطاب ، واختيار هذا العنوان فيه تنبيه للقارئ إلى هذا المحور الرئيس من موضوعات السورة ، كما أنّ فيه تعضيدا لمقصد الخطاب ، وهو لفت أنظار المؤمنين في زمن النص وفي كلّ آن إلى أن طبائع أولئك اليهود غير قابلة للتبدّل لا قديما ( في زمن قصّة البقرة ) ولا في عهد سيدنا محمد ( زمن نزول النص ) ولا في أيّ زمن من الأزمان . وبذا يجتمع في العنوان مفاتيح عناصر الموقف الكلامي جميعا ، المخاطب سبحانه ( الذي جعل العنوان توقيفا منه سبحانه ) ، والمخاطب أو المتلقّي ، والمقصد ، والموضوع أو الرسالة .
3 - النصّ والمتلقّي الأوّل :
إنّ بحثنا لن يتّجه بحال من الأحوال إلى المخاطب عزّ وجل ، ولكنّ بعض الباحثين اجتهد أن يعتبر المخاطب في مثل هذا الدرس من دروس تحليل الخطاب هو
هامش
( 1 ) صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النصّ ، ص 303 .