تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
وختم به . ثمّ بعد ذلك سيبدأ الحديث الموجّه إلى المؤمنين ينظّم لهم شؤون حياتهم في المجتمع الجديد ، فكيف انتقل إلى ذلك ؟ لقد أتى السياق بوصلة بديعة تصل بين الحديثين ، وتفرّق في الوقت ذاته بين الأمّتين ، إنّ الأمّتين تنتهيان في النسب إلى إبراهيم عليه السلام فهو الجدّ المشترك لليهود عن طريق إسحاق ، وللعرب عن طريق إسماعيل ، وهما ابنا إبراهيم عليه السلام ، ولقد أعطى اللّه إبراهيم العهد فجعله للناس إماما ، وسأل إبراهيم ربّه : هل يسري هذا العهد إلى ذريتي ؟ فقال عزّ وجل :
" لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ "
« 1 » . وإذن فقد نبّه إبراهيم عليه السلام أن العهد له ثمّ لذريّته إن استقاموا على العهد ، فإن ظلموا فلا عهد لهم عند اللّه ، ومن ثمّ انتقل العهد إلى أمّة محمد عن طريق إسماعيل « 2 » . لأنها أمّة مهتدية مؤمنة ، تلك هي القصّة التي تحويها - صراحة وضمنا - تلك الوصلة البديعة التي تصل بين الحديثين ، وتفرّق في الوقت ذاته بين الأمّتين . إذن فهذه هي الرسالة اللّغويّة التي تحملها سورة البقرة ، وهي رسالة متماسكة بخيط موضوعيّ واحد من الآية الأولى إلى الآية النهائية ، ومن الجدير بالذكر أنّ السورة قد ركّزت على إنشاء الجماعة المسلمة المستخلفة التي تقيم شرع اللّه في كلّ ميادين الحياة : في الاقتصاد ، والاجتماع ، وفي ميدان الأسرة ، وفي الجهاد ، و . . . . . ضمن منهجيّة وسطيّة ، وقد جاء الحديث عن وسطيّة الأمّة في الآية ( 143 ) ، وهي الآية التي تنتصف بها سورة البقرة تماما « 3 » ، إذ عدد آياتها هو ( 286 ) آية ممّا يومئ بنظام هندسيّ دقيق يرتبط بموضوع السورة ؛ وهذا يذكّرنا بقولة ( بارت ) عن الفن يقول : " إنّه لا يعرف الضوضاء ، إنّه عبارة عن نسق خالص ، وليس هناك أبدا وحدة ضائعة " « 4 » . وفي نهاية السورة نرى الختام ينعطف على الافتتاح فنرى طبيعة التصوّر الإيماني من خلال إيمان الأمة المسلمة بالأنبياء كلّهم ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 124 ) . ( 2 ) انظر محمّد قطب ، دراسات قرآنيّة ، ص 271 . ( 3 ) هذه الملاحظة من جاك بيرك في كتابه : القرآن وعلم القراءة ، ط 1 ، ترجمة منذر عياشي ، دار التنوير ، بيروت ، 1996 ، ص 53 . ( 4 ) رولان بارت ، درس السيميولوجيا ، ص 85 .