ومن المسائل الأخرى التي أثاروها معاني الحروف والأدوات ، وتناوب هذه الحروف وتنوّع معانيها ، والحذف في هذه الحروف ، ومنه في الآية السابقة ( 130 ) "
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ "
. قال الزجّاج " أي في نفسه ، فحذف ( في ) « 1 » . فهنا قدّر حرفا محذوفا ليتّسق الخطاب بناء على تأويل وضعه المعرب .
ومثله تقدير الزجاج للآية ( 178 )
" فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
" . قال : " يمكن أن يكون تقديره " فمن عفي له من أخيه عن شيء فلمّا حذف حرف الجر ، ارتفع شيء لوقوعه موقع الفاعل ، كما أنّك لو قلت : سير بزيد ثم حذفت الباء . قلت سير زيد " « 2 » . أما عن علاقة ذلك بالسياق فهو علاقة داخل النص علاقة اتساق وتماسك داخلي تضمن أن يقرأ النصّ قراءة واضحة الدلالة متماسكة العناصر .
ومثله حذف ( عن ) في التنزيل في قوله تعالى
" وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ "
في الآية ( 108 ) وتقديره : فقد ضلّ عن سواء السبيل " « 3 » . ومنه قوله تعالى
" فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما "
في الآية ( 198 ) التقدير فلا جناح عليه في أن يطوّف بهما . ويتمّ تفسير هذه الحذوف عن طريق معنى النصّ وغرضه ومقصده غالبا .
ويتنبّه المعربون إلى خروج الأدوات والحروف عن معانيها الأصليّة إلى معان تستفاد من السياق ؛ ففي الآية
" أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
. قال العكبري : فإن قيل أصل ( على ) في قوله ( على هدى ) الاستعلاء ، والهدى " لا يستعلى عليه ، فكيف يصح معناها هنا ؟ قيل : معنى الاستعلاء حاصل ، لأن منزلتهم علت باتباع الهدى ، ويجوز أن يكون لما كانت أفعالهم كلها على مقتضى الهدى كان تصرّفهم بالهدى كتصرف الراكب بما يركبه " « 4 » . وتفسير المعرب هنا مبنيّ على عناصر من داخل النصّ وهي
هامش
( 1 ) الزجاج ، إعراب القرآن ، 1 / 108 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 109 .
( 3 ) نفسه .
( 4 ) العكبري ، التبيان في إعراب القرآن ، 1 / 20 .