تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
والمنزّل إليه ، فلو لم يكرّر لأوهم أنّ المنزّل إلينا هو المنزّل إليه ، ولم يكرّر في ( عيسى ) لأنّه لم يخالف شريعة موسى إلّا في نزر يسير ، فالذي أوتيه عيسى هو عين ما أوتيه موسى إلّا يسيرا ، وقدّم المنزل إلينا في الذكر وإن كان متأخرا في الإنزال تشريفا له " « 1 » . إنّ هذا النصّ يربط ما بين رموز الخطاب والحقائق المقاميّة في خارج النصّ ربطا مباشرا من مثل المخاطب وحقيقته ، وطبيعة الواقعة وطبيعة الرسالة المشتركة بين موسى وعيسى ، ثم في هذا التأويل منحى تداوليّ تمثل في قوله : ( تشريفا له ) . وأمّا نظر المعربين في " الحروف " و " الأدوات " فمظهر آخر من المظاهر التي يمكن أن نرصد فيها علاقة النصّ بالسياق ، ويحرص المعربون على الوقوف عند هذه الحروف والأدوات : وظيفتها ودورها في خدمة غرض الخطاب ، ومن ذلك في إعرابهم للآية ( 130 )
" وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ "
قالوا : ( ومن ) ابتداء وهو اسم تام في الاستفهام والمجازاة ، وهو تقرير وتوبيخ وقع فيه معنى النفي ، أي ما يرغب عن ملّة إبراهيم إلا من سفه نفسه " « 2 » . فالغرض هنا هو التوبيخ والتقرير وفيه معنى النفي ، وتركيب الخطاب على هذا النحو يعزّز هذا الغرض ، والأسلوب الذي جاء به الخطاب عبر ( من ) كذلك . ومن أمثلة دور هذه الحروف في تعضيد مقصد الخطاب في قوله تعالى " أتجعل فيها . . . ) قال مكّي : " الألف ألف استرشاد ، وسؤال عن فائدة ، وليس هو إنكار ، إذ لفظه لفظ الاستفهام ، قيل : هو تعجّب تعجّبت الملائكة من قدرة اللّه " « 3 » . ولا شكّ أنّ هذه المعاني مكتسبة من السياق ، وتتكوّن المعاني التعضيديّة التي يضيفها الحرف باختلاف مقاصد المخاطب ، ووضع المخاطب وموضوع الخطاب .
هامش
( 1 ) السمين الحلبي ، الدّر المصون ، 2 / 138 . ( 2 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 263 . ( 3 ) مكي بن أبي طالب / مشكل إعراب القرآن ، 1 / 34 .