وتحمل بعض الحروف والأدوات دلالات خاصة على الزمن ، وقد تتقوّى هذه الدلالة أو تتغيّر أو تتخصّص . ففي إعراب الآية ( 165 )
" وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ "
قال مكّي : إنّما جاءت ( إذ ) هنا وهي لما مضى ، ومعنى الكلام لما يستقبل لأنّ أخبار الآخرة من اللّه جل ذكره كالكائنة الماضية لصحّة وقوعها ، وثبات كونها على ما أخبر به الصادق لا إله إلا هو ، فجاز الإخبار عنها بالمضي ، إذ هي في صحّة كونها كالشئ الذي قد كان ومضى ، وهو كثير في القرآن " « 1 » . إنّ الدلالة الزمنيّة للحرف قد تحوّلت من المضيّ إلى المستقبل ليحدث التوافق بين النصّ والسياق ، إنّ السياق هو الذي أعطى للحرف دلالته الجديدة . هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن التأويل الذي ساقه مكيّ يظهر سياق الحال ، وهو الوضع في الآخرة أو الوضع في الدنيا وما يليق في كل سياق منهما ، ثمّ إنّ فيها مراعاة لمقام المخاطب سبحانه وتعالى ، وهو أنّ ما يصدر عنه بدلالة المستقبل بمثابة الماضي المنقضي لأنّه الإله العظيم فما يصدر عنه يقين لا شكّ فيه .
وقد تناول ابن جنّي مسألة العدول في الحروف في كتابه ( الخصائص ) فقال :
" اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر ، وكان أحدهما يتعدّى بحرف ، والآخر بآخر ، فإنّ العرب قد تتّسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانا بأنّ هذا الفعل في معنى ذلك الآخر ، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه ، وذلك كقوله تعالى :
" أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ "
« 2 » . وأنت لا تقول : ( رفثت إلى المرأة ) وإنّما تقول : ( رفثت بها ) أو معها ، لكنّه لما كان الرفث هنا بمعنى الإفضاء وكنت تعدّي ، ( أفضيت ) ب ( إلى ) جئت بها مع الرفث إيذانا بأنّه معناه " « 3 » . وهذه الدلالات كلّها مأخوذة من السياق الخارجي وتناوب المعنى داخل السياق الداخلي .
هامش
( 1 ) مكي ابن أبي طالب ، مشكل إعراب القرآن ، 1 / 79 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية 187 .
( 3 ) ابن جني ، الخصائص 2 / 435 .