وَالصَّلاةِ ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ "
. قال مكّي في ( إعراب مشكل القرآن ) : " وإنّها لكبيرة تعود على الكعبة ، وقيل بل تعود على الاستعانة ، ودلّ على الاستعانة قوله ( واستعينوا ) ويدلّ على الكعبة ذكره للصلاة ، بل تعود على الصلاة ، وهذا أبين الأقوال لقربها منها " « 1 » .
إنّ المعرب يستعرض وجوه التأويل التي لا تتعارض مع اتّساق الخطاب ، ويرجح أكثرها تحقيقا لهذا الاتساق ؛ ولهذا نراه يهتم بالقرائن داخل النصّ لتقوية كل وجه من وجوه التأويل . والإحالة عن طريق الضمائر إحالة دلاليّة إلّا أنّها تعدّ من أبرز العناصر السياقيّة التي تربط بين المخاطب والمخاطب ، فإنّ استخدام الضمائر مبنيّ على المعرفة السابقة لدى المخاطب . وهي أداة اتّساق بين أجزاء الخطاب ، ومظهر من مظاهر التماسك ، ونلاحظ أنّ المطابقة بين الضمائر مطلب أساسي لدى المعرب فهو يربط بين قوله ( استعينوا ) وهي دالّة على المخاطب وهي إحالة لخارج النصّ ، وبين ( وإنّها ) وهي ضمير الغائب الذي قد يحيل إلى خارج النصّ إذا كان يدلّ على الكعبة ، وقد يحيل لداخل النص إذا كان يدلّ على الصلاة ، والمطابقة تعني أن يكون النص منسجما في خطابه ، ولا يحتمل أي تناقض بين مكوناته . وأمّا العكبري فيوجّه الآية توجيها آخر يقول : " ( وإنّها ) الضمير للصلاة ، وقيل للاستعانة ، لأنّ ( استعينوا ) يدلّ عليها وقيل على القبلة لدلالة ( الصلاة ) عليها ، وكان التحوّل إلى الكعبة شديدا على اليهود " « 2 » . ومع أنّ منهج التحليل لا يبتعد كثيرا هنا إلّا أنّنا رأينا عنصرا خارجيّا من سياق الحال يساهم كقرينة في تأويل النصّ وتوضيح إحالاته ، وهو هنا شدّة أثر تحويل القبلة على اليهود وهذه إحالة مقاميّة ولا ريب .
ومن الشواهد أيضا في مسألة الضمائر الآية ( 178 )
" فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ "
قال المعرب : " الهاء في ( له ) تعود على ( من ) ومن اسم القاتل ، وكذلك الهاء في ( أخيه ) و ( الأخ ) وليّ المقتول وشيء يراد به الدم ، وقيل ( من ) اسم الولي ، والأخ هو القاتل " « 3 » .
هامش
( 1 ) مكي بن أبي طالب ، إعراب مشكل القرآن 1 / 44 .
( 2 ) العكبري ، 1 / 59 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 79 .