إنّ المعرب يتحرّى ردّ الضمائر إلى المحال إليها لتكون الرسالة اللّغوية واضحة للمخاطب في مستواها التركيبي والإبلاغي .
والنصّ يدلّ بعضه على بعض بفعل تماسكه وانسجامه ، والضمائر كجزء من هذا النصّ تدلّ أجزاء النص عليها ( فالهاء ) في قوله تعالى : " فجعلناها " في الآية ( 66 ) " تعود على القردة ، وقيل : بل تعود على المسخة التي دلّ عليها الخطاب ، وقيل ( بل ) تعود على العقوبة التي دلّ عليها الكلام ، وكذلك الاختلاف في الهاء و ( يديها ) ( وما خلفها ) « 1 » .
فالخطاب يحمل رسالة موحّدة ليست موجودة في جزء واحد من أجزائه ، بل إنّ النص كلّه بتماسكه وانسجامه يوصل هذه الرسالة ، ونستدلّ ببعضه على بعض .
ويحاول المعرب قراءة النصّ وفقا لكلّ وجه تأويل أو إحالة للضمير فمثلا في إعراب الآية ( 188 )
" وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ "
قالوا :
" الهاء في ( بها ) تعود على الأموال ، أي ترشوا بها وتخاصموا من أجلها ، فكأنكم قد أدليتم بها ويجوز أن تكون ( الهاء ) تعود على الحجّة ، وإن لم تتقدّم كما ذكر ، كما يقال أدلى بحجّته . " أموالكم " إضافة الجنس أي الأموال التي لكم " « 2 » . إنّ الضمائر تتنوّع بحسب الموضوع ، ويستعاض بها عن الأسماء الظاهرة لضرورة يقتضيها السياق ، أو للاختزال والاختصار لدلالة السياق عليها . ونلاحظ أنّ المعرب في هذا الشاهد أورد قراءتين للآية بحسب توجيه الضمير .
ومن الأمثلة الواضحة جدّا على الربط بين الضمائر والسياق ، ما أورده السمين الحلبي حول الآية ( 136 ) قوله تعالى : " قولوا " . قال : " في هذا الضمير قولان : أحدهما أنه للمؤمنين ، والمراد بالمنزّل إليهم القرآن على هذا ، والثاني : أنه يعود على القائلين " كونوا هودا أو نصارى " . والمراد بالمنزّل إليهم : إمّا القرآن وإمّا التوراة والإنجيل ، وجملة ( آمنا ) في محل نصب بقولوا ، وكرّر الموصول في قوله : " وما أنزل إلى إبراهيم " لاختلاف المنزل إلينا
هامش
( 1 ) مكي ابن أبي طالب ، مشكل إعراب القرآن ، 1 / 56 .
( 2 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 290 .