تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
نخلص من ذلك كلّه إلى أنّ النحاة في توجيههم للإعراب قد حاولوا أن يذكروا احتمالات الإعراب المختلفة التي يحتملها النصّ ، وهذه الاحتمالات مبنيّة على اختيارات سياقيّة للمركّبات المشكّلة للجملة ، وفي كلّ اختيار سياقي سنخرج بمعنى جديد وقراءة جديدة ، فالرسالة اللّغوية تحمل سياقا لغويّا خاصّا يتحدّد وفقا للعناصر المشكّلة له . ويفترض بعض النحاة أحيانا تأويلا أوّليا للنص ، ويوجّهون إعرابهم بحسب هذا التأويل الأوّلي ، وأحيانا يحصل العكس فيبدءون بذكر الوجه المختار ويحدّدون المعنى تبعا لذلك . وفي الحالتين يحاول المعرب أن تكون القراءة أقرب إلى مقصد صاحب النصّ من جهة ، ومتّسقة مع بقيّة أجزاء النصّ من جهة أخرى . ويهتمّ المعربون كثيرا بمسألة تجانس النصّ والسياق وتشاكلهما ، فإذا ابتدأ الخطاب يجب أن تتّسق مكوّنات النصّ التي تلي مع ذلك ، وإذا ابتدأت بالماضي يجب أن تتّسق المكونات التالية مع هذا وهكذا ، ولا يعني الاتّساق المطابقة ، بل التلاؤم والانسجام وفقا لمقتضيات السياق ، وإذا خرج شيء عن هذا سارع المعرب إلى تمثّل السياق الثقافي لأهل اللغة ، واحتكم إلى العرف اللّغوي ليجد التأويل والتفسير المناسب . كما أنّ المعرب يتحرّى وقائع الحدث في خارج النص ويبحث عن تلاؤم النصّ معها في داخله ؛ فيهتمّ بأحوال المخاطبين وصلتهم بالوقائع . ويلتمس هذا من خلال التراكيب والصيغ ، وفي كلّ الأحوال لا يجب أن يفقد النصّ تآلفه الداخلي بالإضافة إلى تآلفه مع الحقائق المائلة خارج السياق . ومن الأمور التي رأينا المعربين ينتبهون إليها طبيعة العرف الاجتماعي للمخاطبين من مثل من يطلق عليه ( آل كذا ) ومن لا يطلق عليه ، ومتى يعتبر العم بمثابة الأب ، ومن مثل الفرق بين ( بلد ) وبلدة وغيرها . ومنها كذلك ما يليق بشأن المخاطب من المخاطبات والصفات والنعوت وما لا يليق ، وما يليق بشأن المخاطب من ذلك كله . كما وقف المعربون عند عنصر ( الزمن ) في الخطاب باعتباره ركنا رئيسا في المقام ودوره في توجيه القراءة ، ووصف السياق والنصّ معا ، ونظروا إليه باعتباره أداة اتساق داخليّة كذلك ، ودور الوقائع الخارجية في تحديد هذا الزمن أو إخراجه عن مقتضى
الخطاب القرآني — صفحة 397 | خلود العموش