" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ
" قال السمين الحلبي : " الصيام مفعول لم يسمّ فاعله ، وقدّم عليه هذه الفضلة ، وإن كان الأصل تأخيرها عنه ، لأنّ البداءة بذكر المكتوب عليه أكد من ذكر المكتوب لتعلّق الكتب بمن يؤدي " « 1 » . وهذا تأويل تداولي لمسألة التقديم والتأخير .
وبعضهم تناول التقديم والتأخير بشيء من التفصيل والتوضيح ، كما في إعراب الآية ( 130 ) من سورة البقرة في قوله تعالى
" وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ "
. فالنحّاس يسأل " كيف جاز تقديم ( في الآخرة ) ، وهو داخل في الصلة ؟ فالجواب أنّه ليس التقدير وأنّه لمن الصالحين في الآخرة فتكون الصلة قد تقدّمت ، ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال : منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة ثم حذف ، وقيل في الآخرة متعلّق بمصدر محذوف أي صلاحه في الآخرة والقول الثالث : إنّ الصالحين ليس بمعنى الذين صلحوا ، ولكنّه اسم قائم بنفسه كما يقال : الرجل والغلام " « 2 » .
وفي هذا التحليل نجد النحّاس يربط التقديم والتأخير بالحمل على المعنى كما في القول الأوّل ، أو بافتراض وجود عناصر محذوفة داخل النصّ وهذا يعود للسياق اللّغوي الداخلي . كما في القول الثاني ، وبوجه عام يتنبّه المعربون إلى أنّ النص يخرج عن النسق الطبيعي في التعبير عن الموضوع أحيانا فيما يشبه الانعطافات ، كما هو الحال في موضوع التقديم والتأخير هذا ، ويحاولون تأويل الموضع بما يعيد العناصر اللّغوية المكوّنة إلى مكانها الطبيعي داخل السلاسل المكوّنة للنص . ولكنّهم لا يقفون طويلا عند الجانب الإبلاغي في هذه الانعطافات كما هو الحال عند المفسّرين مثل الزمخشري مثلا .
ومن المظاهر التي يتجلّى فيها تآلف السياق الداخلي والخارجي معا الضمائر ، وقد سبق أن درسنا هذا العنصر السياقي لدى المفسّرين ، ولكننا سنحاول تجلية نظرة المعربين لهذا العنصر الحيوي . فهم يهتمّون كثيرا بالمحال إليه في الضمائر ، ويذكرون الوجوه المختلفة التي تحتملها هذه الإحالة . كما في قوله تعالى في الآية ( 45 ) :
" وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
هامش
( 1 ) السمين الحلبي ، الدرّ المصون ، 2 / 266 .
( 2 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 263 .