الملكين أنّهما قالا فلا تكفر فيتعلموا ، لتجعل قولهما " لا تكفر سببا للتعلم ، ولكنه قال فيتعلّمون ، أي فهم " يتعلمون " . إنّ غرض المخاطب يتمثّل دائما أمام المعرب فيختار وجهة الإعراب بما يحقّق هذا المقصد .
ومن الظواهر السياقية التي التفت إليها المعربون مسألة التعريف والتنكير ، وغالبا ما يكون هذا المظهر أثرا خطيا للسياق داخل النص ، وفي قوله تعالى
" اهْبِطُوا مِصْراً
" في الآية ( 61 ) قال النحّاس : " مصرا " نكرة وهذا أجود الوجوه لأنّها في السواد « 9 » بألف ، وقد يجوز أن تصرف تجعل اسما للبلاد ، وإنّما اخترنا الأوّل لأنّه لا يكاد يقال مثل مصر بلاد ، ولا بلد ، وإنّما يقال لها بلدة ، وإنّما يستعمل بلاد في مثل بلاد الروم " « 1 » . وهنا احتكم النّحاس في بعض أقواله على المعروف الشائع بين الناس في التفريق ما بين بلدة وبلاد ، وهذا تبدّى أثرا خطيا داخل الخطاب من وجهة نظر المعرب .
ومن المظاهر السياقيّة كذلك التقديم والتأخير ، ولمعربي الآي الكريم مذاهب في تناول هذا المظهر ، فبعضهم اكتفى برصد مواضع التقديم والتأخير حيث وردت في السورة الكريمة من غير ربطها بدلالة سياقيّة معيّنة ، كما هو الحال عند الزجّاج في إعراب قوله تعالى :
" وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ "
« 2 » قال : " ألا ترى أنّ ( هم ) مبتدأ و ( يوقنون ) في موضع خبره ، والجار من صلة ( يوقنون ) وقدّمه على المبتدأ " « 3 » . فهو قد أوضح التقديم والتأخير ولكنّه لم يعلّله بشيء يتصل بالسياق . ومنه كذلك عند النحّاس في إعراب الآية ( 3 )
" وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ "
قال : " أي يقيمون الصلاة وينفقون ممّا رزقناهم ، ففصّل بين الواو الفعل بالظرف " « 4 » . ومن أمثلته كذلك قوله تعالى في الآية ( 183 ) من سورة البقرة
هامش
( 9 ) السواد : الأعظم من الناس وهم الجمهور الأعظم والعد الكثير من المسلمين . انظر لسان العرب مادة سود .
( 1 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 233 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 4 ) .
( 3 ) الزجاج ، إعراب القرآن ، 1 / 274 .
( 4 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 277 .