وتقدير المعنى التأويلي الأوّلي قبل الإعراب يسهم إلى حدّ كبير في توجيه دفة المعرب خلال معالجته للنصّ ؛ ففي الآية ( 18 ) في قوله " صمّ " قيل : " على إضمار مبتدأ أي : هم صمّ بكم عمي ، وفي قراءة عبد اللّه وحفص ( صمّا بكما عميا ) لأنّ المعنى وتركهم غير مبصرين صمّا بكما عميا " « 1 » . وأحيانا يحصل عكس ذلك ، أي أنّ الوجه المختار هو الذي يعطي للمعرب المعنى ، ومن ذلك في إعراب الآية ( 25 ) " فيقولون ما ذا أراد اللّه بهذا مثلا " قال ابن كيسان : " وإن شئت جعلت ( ما ) اسما تامّا في موضع رفع بالابتداء ، و ( ذا ) بمعنى الذي هو خبر الابتداء ويكون التقدير : ما الذي أراد اللّه بهذا مثلا " « 2 » . إنّ عمليّة التأويل والوصول إلى المعنى هي هدف المعرب في خاتمة الأمر ، فقد يبدأ من معنى مفترض ، ويقوّيه من خلال التركيب أو يستبعده أو يبدأ بالتركيب وصولا إلى المعنى . وفي كلّ الأحوال يحاول المعرب أن تكون القراءة أقرب إلى مقصد صاحب النصّ من جهة ، ومتّسقة مع بقيّة أجزاء النّص من جهة أخرى .
ومن الأمثلة كذلك إعراب الآية ( 36 )
" فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها
، و
قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ . . . "
قال النحّاس : " ( بعضكم ) مبتدأ وعدوّ خبر ، والجملة في موضع نصب على الحال ، والتقدير : وهذه حالكم ، وحذفت الواو لأنّ في الكلام عائدا كما يقال رأيتك ( السماء تمطر عليك ) " ، ويقال : كيف قال عدوّ ، ولم يقل أعداء ؟ ففي هذا جوابان : أحدهما أنّ ( بعضا ) وكلا يخبر عنهما بالواحد وذلك في القرآن ، قال عزّ وجل :
" وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ . . "
" وكلّ أتوه داخرين " والجواب الآخر أنّ عدوّا يرد في موضع الجمع ، قال اللّه عزّ وجل :
" وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
" بمعنى أعداء . " « 3 » وفي هذا النصّ أكثر من مسألة أوّلها : التقدير بناء على المكوّنات التي اختارها ، وهي تصنع سياقا قابلا للقراءة هو هذا التقدير ، وثانيها : اهتمامه بمسألة تجانس السياق وتشاكله ؛ فالخطاب
هامش
( 1 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 193 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 204 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 214 .