خطاب الجمع ( اهبطوا ، بعضكم . . . ) ولذا يجب أنّ تتجانس عناصر هذا الخطاب ، وإذا خرج أحد العناصر عن هذا فلعلّة سياقيّة ولا ريب ، وإذا كانت اللّغة هي التي يعبّر من خلالها عن السياقات المختلفة فهي أيضا التي تحمل مجموعة الخيارات التي يجوز الاختيار منها وفقا لسننها ونظمها في التركيب والتأليف ، وهي هنا تسمح بمجيء ( عدوّ ) كدال على الجنس وليس على المفرد ، وهو من باب تناوب الصيغ لاعتبارات السياق . وإن كان المعرب سكت عن ذكر هذه الاعتبارات ، واكتفى باستحضار الشواهد على سماح اللغة بمثل هذا التناوب بين ( عدوّ ) و ( أعداء ) .
وفي إعراب الآية ( 38 )
" قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً "
. قال النحاس : " وزعم الفرّاء أنّه يقال : إنّما خوطب بهذا آدم - صلّى اللّه عليه وسلم - وإبليس بعينه ويعني ذريّته ، فكأنّه خاطبهم كما قال " قالتا أتينا طائعين " أي أتينا بما فينا ، وقال غير الفرّاء : يكون مخاطبة لآدم عليه السلام وحواء والجنّة ، ويجوز أنّ يكون لآدم وحوّاء لأنّ الاثنين جماعة ويجوز أن يكون إبليس ضم إليهما في المخاطبة " « 1 » . إنّ الذي جعل النحّاس يناقش هذه المسألة هو ( جميعا ) وأنّها منصوبة على الحال ، ومن ثمّ اهتم بمن شملهم حال الهبوط .
وتحديد المخاطب هو مفتاح لفهم الخطاب ، ويلاحظ أنّه استقصى الوجوه التي يحتملها الخطاب من غير أنّ يرجّح لأنّ الوجوه جميعا سواء في درجة قبولها ، وكلّها يمكن أن يحتملها السياق . ومن جهة أخرى فإنّ العكبري يعالج هذا النصّ بطريقة أخرى فيقول :
" قوله ( منها جميعا ) حال ، أي مجتمعين إمّا في زمن واحد أو في أزمنة ، بحيث يشتركون في الهبوط " « 2 » . إنّ العكبري يشير في هذه العبارة إلى عنصر الاشتراك في الفعل ، وهو ربط بين الرمز اللّغوي ( جميعا ) والحقيقة الخارجيّة . وفي الآية ( 40 )
" وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ "
قال : ( وأوفوا ) أمر ، ( أوف ) جواب الأمر مجزوم لأنّ فيه معنى المجازاة وقرأ الزهري أوفّ
هامش
( 1 ) النحاس ، إعراب القرآن ، 1 / 215 .
( 2 ) العكبري ، التبيان في إعراب القرآن ، 1 / 54 .